أزمة المباني الخرسانية.. إسلام آباد تخسر خضرتها وقطع الأشجار يثير غضب السكان
أزمة المباني الخرسانية.. إسلام آباد تخسر خضرتها وقطع الأشجار يثير غضب السكان
كانت إسلام آباد توصف لعقود بأنها مدينة الحدائق والشوارع المظللة، عاصمة هادئة تحيط بها الأشجار من كل جانب وتمنح سكانها شعورا بالراحة والاتساع، لكن هذا المشهد الذي شكل هوية المدينة منذ ستينات القرن الماضي بدأ يتلاشى تدريجيا، مع توسع مشاريع البنية التحتية وإقامة منشآت ونصب تذكارية عسكرية على حساب المساحات الخضراء والتنمية المستدامة.
وبحسب ما نقلته وكالة فرانس برس الأحد، فإن موجة قطع الأشجار في أنحاء العاصمة أثارت غضب السكان، ودفع بعضهم إلى اللجوء للقضاء بعد أن رأوا الخرسانة تحل محل المساحات الخضراء التي كانت تميز مدينتهم.
دعوى ضد قطع الأشجار
قرر محمد نافيد، أحد سكان العاصمة، رفع دعوى قضائية هذا العام ضد السلطات في إسلام أباد، متّهماً إياها بقطع الأشجار على نطاق واسع من أجل مشاريع البنية التحتية. وقال إن العديد من الأشجار المعمرة أزيلت، ما ترك مساحات واسعة من الأراضي قاحلة بعد أن كانت مليئة بالحياة.
وأشار الصندوق العالمي للطبيعة إلى أن مشاريع الطرق والمعالم الجديدة كانت من أبرز أسباب إزالة الأشجار والغطاء النباتي الطبيعي في المدينة، ووفقا لبيانات غلوبال فوريست ووتش، خسرت إسلام آباد بين عامي 2001 و2024 نحو 14 هكتارا من الغطاء الأخضر، أي ما يعادل مساحة 20 ملعب كرة قدم، دون احتساب أي زيادات في التشجير خلال الفترة نفسها.
حزن السكان على ما تبقى
كمران عباسي، تاجر يعيش في العاصمة منذ ثمانينات القرن الماضي، يقول إن المشهد لم يعد كما كان معتاداً في باكستان، يصف ما يجري بأنه قطع للأشجار في كل مكان، مؤكدا أن الأشجار هي الحياة وأن آلاف الأشجار يمكن أن تختفي من أجل بناء جسر واحد فقط.
تتكرر هذه الشكاوى في أحياء مختلفة من المدينة، حيث يشعر السكان بأن هوية إسلام آباد الخضراء تتعرض للتآكل، وأن المدينة التي صممت لتكون ملاذا طبيعيا تتحول تدريجيا إلى مساحة من الإسفلت والخرسانة.
تراجع جودة الهواء
بالتوازي مع تقلص المساحات الخضراء، يشير خبراء إلى تدهور جودة الهواء في العاصمة، فالتلوث لم يكن ظاهرة جديدة، لكنه يزداد وضوحا مع تراجع الغطاء النباتي الذي يلعب دورا أساسيا في تنقية الهواء وخفض درجات الحرارة.
وقال محمد إبراهيم، مدير برنامج الغابات في الصندوق العالمي للطبيعة بباكستان، إن الغابات تعمل كأنظمة تنقية طبيعية، تنظف الهواء والمياه وتخفف من التأثير العام للتلوث.
ووفقا لمنظمة الرصد IQAir، لم تسجل إسلام آباد خلال الشهر الماضي أي أيام اعتبرت فيها جودة الهواء جيدة، إذ صُنفت جميع الأيام تقريبا على أنها غير صحية أو غير صحية للغاية.
ذريعة الحساسية
بعض المسؤولين الحكوميين يبررون إزالة الأشجار بمعالجة مشكلة الحساسية الموسمية المرتبطة بغبار الطلع، وهي ظاهرة تزداد في الربيع، ويقول عبد الرزاق، المسؤول في هيئة تطوير العاصمة، إن هذه الحساسية تتسبب في التهابات صدرية ونوبات ربو وردود فعل تحسسية حادة لدى السكان.
وترجع هذه المشكلة إلى زراعة أشجار التوت الورقي بكثافة خلال المراحل الأولى من تطوير المدينة، وتشير تقارير حديثة إلى أن الحكومة تخطط لإزالة نحو 29 ألف شجرة ونبتة تنتج غبار الطلع.
غير أن معارضين يرون أن قضية الحساسية تستخدم كذريعة لتبرير قطع الأشجار على نطاق أوسع، خاصة في المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية والجيش. ويؤكد خبراء أن الحل يكمن في التخطيط الحضري الدقيق وزراعة أنواع لا تسبب الحساسية، بدلا من الإزالة العشوائية للأشجار.
تجريف لأجل النصب والمشاريع
خلال الأشهر الأخيرة، رصدت جرافات وهي تجرف أحزمة خضراء ومناطق كانت مشجرة، بما في ذلك مواقع قرب الطرق السريعة الرئيسية، وتشير تقارير إلى أن بعض هذه الأراضي مخصص لإقامة نصب تذكارية مرتبطة بالمواجهة العسكرية التي اندلعت بين الهند وباكستان في مايو الماضي.
كما جُرفت أراضٍ أخرى لتطوير بنى تحتية عسكرية. وقال مصدر حكومي طلب عدم الكشف عن هويته إن الأشجار تُقطع من أجل مشاريع مرتبطة بالجيش، مضيفا أن نفوذ المؤسسة العسكرية يجعل من الصعب الاعتراض على هذه المشاريع.
وبحسب محللين، فإن الجيش الباكستاني لعب دورا بارزا في الحكم والسياسة والاقتصاد لعقود، وهو ما يعزز قدرته على تنفيذ مشاريع كبرى دون اعتراضات فعالة.
وفي أحد المواقع المقترحة لإقامة نصب عسكري عند طريق سريع في المدينة، وثق الصندوق العالمي للطبيعة تجريف أكثر من 6 هكتارات من الأراضي العام الماضي، مع استمرار الأعمال خلال عام 2026، وأشار الصندوق إلى عدم وجود عمليات تشجير نشطة في المنطقة، ما يعزز المخاوف من أن الإزالة مرتبطة بمشاريع البنية التحتية لا ببرامج بيئية.
قضية في أروقة المحاكم
ما تزال دعوى محمد نافيد قيد النظر أمام المحكمة، وهو يأمل أن تضع حدا لعمليات قطع الأشجار واسعة النطاق، ويقول إن النصب التذكارية، إن كانت ضرورية، يمكن بناؤها في حدائق قائمة أو أماكن عامة، دون إزالة مساحات خضراء جديدة.
في المقابل، أكدت السلطات أن مشاريع الطرق والبنية التحتية تمت الموافقة عليها بموجب قوانين سارية منذ عام 1992، في محاولة للدفاع عن شرعية هذه الأعمال.
تأسست إسلام آباد في ستينات القرن العشرين لتكون عاصمة حديثة لباكستان، صممت وفق مخطط حضري يركز على المساحات الخضراء والشوارع الواسعة والمناطق السكنية منخفضة الكثافة، وقد عُرفت المدينة لعقود بأنها واحدة من أكثر العواصم الآسيوية تنظيما وهدوءا، بفضل غطائها النباتي الواسع وموقعها عند سفوح تلال مارجالا، لكن النمو السكاني وتوسع المشاريع العمرانية والعسكرية خلال العقود الأخيرة وضع هذه الهوية تحت ضغط متزايد، وتشير تقارير بيئية إلى أن فقدان الغطاء الأخضر في المدن الكبرى يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة وزيادة التلوث وتراجع جودة الحياة، ما يجعل الحفاظ على الأشجار والمساحات الطبيعية جزءا أساسيا من أي تخطيط حضري مستدام.









