بين حماية الهوية ومتطلبات الاقتصاد.. سويسرا تتجه نحو استفتاء تحديد عدد السكان
بين حماية الهوية ومتطلبات الاقتصاد.. سويسرا تتجه نحو استفتاء تحديد عدد السكان
تتجه سويسرا إلى استفتاء وطني في 14 يونيو المقبل قد يشكل نقطة تحول في سياستها السكانية والهجرة لعقود مقبلة، إذ سيصوّت المواطنون على مبادرة تقضي بتحديد سقف لعدد السكان عند 10 ملايين نسمة بحلول عام 2050، وتأتي هذه الخطوة بعد حملة سياسية قادها حزب يميني معارض، في وقت يتصاعد فيه الجدل حول أثر الهجرة على البنية التحتية والهوية الوطنية والاقتصاد.
وبحسب ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز" السبت، فإن الاستفتاء المرتقب سيُلزم الحكومة السويسرية، في حال إقراره، باتخاذ سلسلة من الإجراءات خلال 25 عاما للحد من الهجرة، بهدف إبقاء عدد السكان دون سقف 10 ملايين نسمة، بينما يبلغ عدد سكان البلاد حاليا نحو 9 ملايين نسمة.
مخاوف من ضغط سكاني متزايد
يرى مؤيدو المبادرة أن النمو السكاني المتسارع خلال السنوات الأخيرة بدأ يفرض ضغوطا كبيرة على البنية التحتية والخدمات العامة وسوق الإسكان، ويقول هؤلاء إن الاكتظاظ أدى إلى ارتفاع الإيجارات وزيادة الازدحام في وسائل النقل والخدمات الصحية والتعليمية، ما يهدد جودة الحياة التي تشتهر بها البلاد.
ويقترح أصحاب المبادرة تشديد شروط منح الإقامة الدائمة للأجانب، خصوصا بعد تجاوز عدد السكان عتبة 9.5 مليون نسمة، كما يدعون إلى مراجعة الاتفاقيات الموقعة مع الاتحاد الأوروبي التي تتيح حرية التنقل، رغم أن سويسرا ليست عضوا في الاتحاد.
وقد وصل المقترح إلى مرحلة الاستفتاء بعد جمع أكثر من 100 ألف توقيع، وهو الحد الأدنى المطلوب لطرح المبادرات الشعبية على التصويت العام في النظام السياسي السويسري. ويقف وراء الحملة حزب الشعب السويسري، وهو حزب يميني يحظى بتمثيل واسع في البرلمان ويشغل نحو ثلث مقاعده.
خطاب الهوية والضغط الشعبي
خلال النقاشات السياسية التي سبقت الاستفتاء، ركز مؤيدو المبادرة على مسألة الهوية الوطنية، معتبرين أن النمو السكاني السريع في سويسرا يهدد الطابع الثقافي والاجتماعي للبلاد، وقال أحد النواب من حزب الشعب السويسري إن صبر المواطنين بدأ ينفد، في إشارة إلى تزايد القلق الشعبي من تأثير الهجرة على الحياة اليومية.
ويستند هذا الخطاب إلى تحولات ديموغرافية شهدتها البلاد خلال العقود الماضية، حيث ارتفعت نسبة السكان من أصول مهاجرة بشكل ملحوظ، ما خلق نقاشا مستمرا حول الاندماج الثقافي والتوازن بين الانفتاح الاقتصادي والحفاظ على الخصوصية الوطنية.
تحذيرات من تداعيات اقتصادية ودبلوماسية
في المقابل، تحذر الحكومة والأحزاب المعارضة من أن فرض سقف صارم على عدد السكان قد يؤدي إلى أضرار اقتصادية كبيرة، خصوصا في ظل اعتماد قطاعات واسعة من الاقتصاد السويسري على العمالة الأجنبية لسد النقص في الأيدي العاملة.
ويقول معارضو المبادرة إن تشديد القيود على الهجرة سيجعل من الصعب على الشركات استقطاب الكفاءات والعمال المهرة، ما قد يضعف النمو الاقتصادي ويؤثر على تنافسية البلاد، كما يحذرون من تداعيات دبلوماسية محتملة، خصوصا على العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، الذي يرتبط مع سويسرا بسلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية والتنقلية.
وأشار أحد زعماء التيار الوسطي إلى أن تحديد سقف للسكان قد يدفع سويسرا نحو العزلة ويخلق حالة من الفوضى الاقتصادية، إذا اضطرت البلاد إلى الانسحاب من اتفاقيات دولية مهمة.
انقسام في الرأي العام
تكشف استطلاعات الرأي عن انقسام واضح داخل المجتمع السويسري حيال المبادرة، فقد أظهر استطلاع أجرته شركة ليوس السويسرية أن نحو 48 في المئة من المواطنين يؤيدون تحديد سقف للسكان عند 10 ملايين نسمة، في حين يعارض الفكرة نحو 41 في المئة، ما يشير إلى معركة انتخابية محتدمة قد تُحسم بفارق ضئيل.
ورغم أن الحكومة السويسرية المكونة من مجلس اتحادي يضم 7 أعضاء أوصت برفض المبادرة في مارس 2025، فإنها مضطرة لطرحها على الاستفتاء الشعبي بسبب عدد التوقيعات التي جمعتها الحملة المؤيدة.
وأكدت الحكومة أن أولويتها هي الحفاظ على علاقات مستقرة مع الاتحاد الأوروبي، محذرة من أن تطبيق المبادرة قد يفرض على البلاد الانسحاب من عدد من الاتفاقيات الدولية، وهو ما قد تكون له عواقب اقتصادية وسياسية واسعة.
بلد متعدد الأصول
شهدت سويسرا خلال العقود الماضية موجات متتالية من الهجرة، خصوصا من دول أوروبية أخرى، إلى جانب مهاجرين من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأسهم هذا التدفق في تنويع التركيبة السكانية، لكنه أثار أيضا نقاشات سياسية واجتماعية حول الهوية والاندماج.
وتشير إحصاءات حكومية إلى أن نحو 40 في المئة من السكان الذين تزيد أعمارهم على 15 عاما ينحدرون من أصول مهاجرة، وهو رقم يعكس حجم التغير الديموغرافي الذي شهدته البلاد خلال السنوات الماضية.
ويستحضر البعض استفتاء عام 2009 الذي صوّت فيه أغلبية الناخبين لصالح حظر بناء مآذن جديدة للمساجد، وهو قرار عكس آنذاك مخاوف شريحة من المجتمع من التحولات الثقافية والدينية.
استفتاء يختبر توازنات سويسرا
يُنظر إلى استفتاء 14 يونيو على أنه اختبار حقيقي لقدرة سويسرا على الموازنة بين حاجاتها الاقتصادية ومخاوفها الاجتماعية، فالبلاد التي تقوم على اقتصاد منفتح وعلاقات تجارية واسعة، تجد نفسها أمام نقاش داخلي حول حدود الانفتاح وتأثيره على المجتمع.
ومع اقتراب موعد التصويت، يتوقع أن تتصاعد الحملات السياسية والإعلامية من الجانبين، في محاولة لكسب أصوات الناخبين الذين سيحسمون مصير المبادرة، وما إذا كانت سويسرا ستدخل مرحلة جديدة من القيود على الهجرة أو ستواصل نهجها التقليدي القائم على الانفتاح الاقتصادي والتعاون الأوروبي.
تتميز سويسرا بنظام سياسي فريد يقوم على الديمقراطية المباشرة، حيث يحق للمواطنين طرح مبادرات شعبية على الاستفتاء بعد جمع عدد محدد من التوقيعات، وقد لعبت هذه الآلية دورا بارزا في رسم السياسات العامة للبلاد، خصوصا في ملفات الهجرة والهوية، وعلى مدى عقود، اعتمد الاقتصاد السويسري على العمالة الأجنبية، سواء في القطاعات الصناعية أو الخدمية أو الصحية، ما جعل الهجرة جزءا أساسيا من بنيته الاقتصادية، وفي الوقت نفسه، أدى تزايد أعداد المهاجرين إلى بروز تيارات سياسية تدعو إلى تشديد القيود للحفاظ على الهوية الوطنية والبنية التحتية.











