من أبيا يالا إلى كردستان.. نضال نسوي عابر للقارات يتشكل ضد الحرب والإبادة
من أبيا يالا إلى كردستان.. نضال نسوي عابر للقارات يتشكل ضد الحرب والإبادة
في لحظة وصفت بأنها تاريخية في مسار الحركات النسوية العابرة للحدود، اختتمت في العاصمة الكولومبية بوغوتا مؤخراً أعمال مؤتمر “سوف نزهر لأن الحرب لا تستطيع اقتلاع جذورنا” بعد أيام من النقاشات المكثفة التي جمعت مئات النساء من قارات مختلفة تحت سقف واحد، ولم يكن المؤتمر مجرد لقاء تضامني، بل منصة لتبادل الخبرات وصياغة رؤية مشتركة لمقاومة ما اعتبرته المشاركات منظومة عالمية من الحرب والإبادة والرأسمالية والنظام الأبوي.
وبحسب ما أوردته وكالة أنباء المرأة يوم الاثنين، أعلنت المشاركات في ختام المؤتمر الذي عقد في بوغوتا واختتم أعماله يوم أمس الأحد عن تأسيس شبكة دولية للنضال ضد الحرب والإبادة الجماعية والرأسمالية والنظام الأبوي، مؤكدات أن هذه الخطوة تمثل بداية مسار طويل الأمد من المقاومة المنظمة والعابرة للقارات.
محطة تاريخية للنضال النسوي
انطلق المؤتمر في 11 فبراير بمشاركة نساء من هايتي وكولومبيا والإكوادور والمكسيك وولامابو وكولاسويو ماركا وتشيلي وكردستان، في مشهد عكس اتساع رقعة الحضور وتنوع الخلفيات الثقافية والسياسية، ووصف اللقاء بأنه لحظة تلاقٍ نادرة بين حركات نسائية من أمريكا اللاتينية المعروفة باسم “أبيا يالا” ومنطقة كردستان، حيث اجتمعت التجارب المختلفة حول قواسم مشتركة من المعاناة والمقاومة.
المشاركات أكدن أن الشبكة الجديدة ستنسج عبر القارات من أبيا يالا إلى كردستان، بهدف توحيد القوى النسوية وتعزيز التنسيق المشترك في مواجهة ما وصفنه ببنية عالمية تعيد إنتاج العنف والهيمنة بأشكال متعددة.
نقاشات في الصحة والتعليم والدفاع الذاتي
خلال أيام المؤتمر، تبادلت النساء خبراتهن في مجالات الصحة والتعليم والدفاع الذاتي والاقتصاد والثقافة، كما ناقشن تجارب التنظيم المجتمعي ونماذج الإدارة الذاتية، وبرزت تجربة الكونفدرالية الديمقراطية التي نشأت في كردستان بوصفها نموذجاً جرى التوقف عنده مطولاً، باعتباره إطاراً يعزز مشاركة النساء في صنع القرار ويمنحهن أدوات تنظيم مستقلة.
وأكدت المشاركات أن هذا النموذج يفتح آفاقاً جديدة للنضال، خاصة في المجتمعات التي تعاني من النزاعات المسلحة أو التهميش السياسي، وشددن على أن التنظيم الذاتي للنساء يمثل ركيزة أساسية في مواجهة الأنظمة الأبوية التي تقصيهن من مراكز التأثير.
الرأسمالية والحرب في قلب الانتقادات
المؤتمر لم يكتفِ بتبادل التجارب، بل تحول إلى منصة لانتقاد النظام الرأسمالي العالمي، حيث ناقشت المشاركات كيف أدى هذا النظام إلى تدمير أجساد النساء وبيئاتهن الطبيعية من جبال وأنهار وغابات، واعتبرن أن الاستغلال الاقتصادي يتقاطع مع العنف الجندري والاستعمار، في حلقة متواصلة من الهيمنة.
كما وجهن انتقادات حادة إلى سياسات الدول القومية التي تفرض البطالة وتدفع إلى الهجرة القسرية، معتبرات أن هذه السياسات تضع النساء في مقدمة المتضررين، ولم تسلم الأوساط الأكاديمية من النقد؛ إذ رأت المشاركات أن احتكار المعرفة وتحويلها إلى سلعة يعمق الفجوة بين النظرية والممارسة ويقصي أصوات النساء في المجتمعات المحلية.
من فلسطين إلى روج آفا وكولومبيا
البيان الختامي للمؤتمر سلط الضوء على ما وصفه بالهجمات المستمرة في فلسطين وروج آفا وكولومبيا، واعتبر أن هذه السياقات المختلفة تشترك في بنية عنف واحدة تعيد إنتاج الحرب بأشكال متعددة، ودعا البيان إلى تنظيم يوم عالمي للعمل النسائي لمواجهة الحروب الأبوية والاستعمارية والرأسمالية، في محاولة لتحويل التضامن إلى فعل منظم على الأرض.
وأكدت المشاركات أن ما يجمعهن ليس فقط رفض الحرب، بل الإحساس المشترك بتأثيرها المباشر في أجسادهن وحياتهن اليومية، وجاء في البيان أن هذه التجارب تشكل أساساً لبناء بدائل جماعية في مواجهة ما وصفنه بالحرب العالمية التي نشعر بها في أجسادنا اليوم.
استحضار أسماء مناضلات
في لحظة مؤثرة، استحضر البيان أسماء مناضلات فقدن حياتهن دفاعاً عن الأرض والحرية، منهن بيرتا كاسيريس وجوليا تشونيل وألينا سانشيز وبيتي كارينيو وساكينة جانسز، وأكدت المشاركات أن هؤلاء النساء حاضرات بأرواحهن في هذا المسار النضالي، وأن تضحياتهن تمثل مصدر إلهام لاستمرار المقاومة.
وشدد البيان على أن شبكة النساء ينسجن المستقبل لن تكون مبادرة عابرة، بل مسار طويل الأمد يهدف إلى توحيد النساء حول العالم، وتعزيز المقاومة المشتركة، وغرس جذور النضال في الأرض بروح جماعية ومنظمة، وأعلنت المشاركات أن مجموعة من الشبكة ستتولى مسؤولية إبقاء النقاشات حية ومتابعة التنسيق بين المناطق المختلفة.
يشهد العالم خلال السنوات الأخيرة تصاعداً في النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية والبيئية، ما انعكس بشكل مباشر على أوضاع النساء في مناطق متعددة. ففي أمريكا اللاتينية برزت حركات نسوية قوية تربط بين الدفاع عن الأرض وحقوق النساء، خصوصاً في مواجهة مشاريع استخراج الموارد والعنف المرتبط بها، وفي كردستان تطورت تجربة تنظيمية تقوم على مفهوم الكونفدرالية الديمقراطية الذي يركز على الإدارة الذاتية والمشاركة الواسعة للنساء في المؤسسات السياسية والمجتمعية، ويأتي انعقاد مؤتمر سوف نزهر لأن الحرب لا تستطيع اقتلاع جذورنا في هذا السياق العالمي المتوتر، ليشكل محاولة لبناء شبكة تضامن عابرة للحدود تجمع بين نضالات محلية مختلفة تحت رؤية مشتركة تسعى إلى مواجهة الحرب والإبادة والرأسمالية والنظام الأبوي عبر تنظيم نسوي طويل النفس.











