تحت الحصار.. نزوح وألم وانقطاع مقومات الحياة.. مأساة المدنيين في كوباني

تحت الحصار.. نزوح وألم وانقطاع مقومات الحياة.. مأساة المدنيين في كوباني
نازحون من كوباني في العراء

تعيش مدينة عين العرب كوباني في شمال سوريا واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية في تاريخها الحديث، مع تدفق موجات نزوح واسعة من ريفها نحو مركز المدينة هرباً من العمليات العسكرية التي تنفذها قوات الحكومة الانتقالية والفصائل الموالية لها من مسلحي العشائر، وبات عشرات الآلاف من المدنيين محاصرين داخل رقعة جغرافية ضيقة، في ظروف قاسية تنعدم فيها مقومات الحياة الأساسية، وسط مخاوف متزايدة من انهيار شامل للوضع الإنساني.

ووفق ما أورده المرصد السوري لحقوق الإنسان في تقرير صدر اليوم الخميس، فإن آلاف العائلات النازحة وصلت إلى مركز المدينة خلال الأيام الأخيرة بعد فرارها من القرى والبلدات المحيطة، لتجد نفسها بلا مأوى حقيقي، حيث امتلأت المدارس والمساجد ولم تعد قادرة على استيعاب المزيد من الفارين، ما اضطر أعداداً كبيرة من العائلات إلى افتراش العراء في الشوارع والساحات العامة.

نزوح بلا مأوى وحصار بلا مقومات

تشكل النساء والأطفال النسبة الكبرى من النازحين، في مشهد يعكس هشاشة الوضع الإنساني وقسوة الظروف المعيشية، وكثير من العائلات يقضي لياليه في العراء دون أغطية كافية أو وسائل تدفئة، مع نقص حاد في الغذاء ومياه الشرب والمواد الأساسية، في حين تغيب أي استجابة طارئة فعالة قادرة على احتواء حجم الكارثة المتصاعدة.

تتفاقم المأساة الإنسانية مع فرض حصار مطبق على المدينة، حيث تشهد كوباني انقطاعاً كاملاً للكهرباء والمياه والاتصالات، ما أدى إلى عزلها بشكل شبه تام عن محيطها الخارجي، وهذا الانقطاع يعوق وصول أي مساعدات إنسانية أو تدخلات طبية عاجلة، ويزيد من صعوبة تنسيق جهود الإغاثة أو نقل الحالات الحرجة إلى خارج المدينة.

مصادر محلية حذرت من اقتراب كارثة إنسانية غير مسبوقة في ظل غياب أي تدخل خارجي أو دولي لحماية المدنيين أو فتح ممرات آمنة لإدخال المساعدات، وأكدت أن المدينة تمر بمرحلة هي الأصعب منذ معركتها ضد تنظيم داعش قبل 11 عاماً، حيث يشعر السكان اليوم بأنهم متروكون لمصير مجهول.

شهادات من قلب الألم

في إحدى الشهادات المؤثرة، قالت أم نازحة إنها لن تغادر مركز المدينة حتى لو تعرض للقصف المدفعي أو هجمات الطيران المسير، مؤكدة أن هذه هي المرة الخامسة التي تعيش فيها تجربة النزوح والنوم في العراء وسط البرد القارس، وأوضحت أن الموت تحت البرد والجوع أهون عليها من الخضوع لما وصفته بالإذلال، في تعبير يلخص حجم اليأس الذي يعيشه كثير من المدنيين في سوريا.

وفي شهادة أخرى، عبّر أحد السكان عن مخاوف وجودية، مؤكداً أن ما يجري لا يستهدف قوات سوريا الديمقراطية بقدر ما يستهدف السكان الكرد أنفسهم، مشيراً إلى أن الأهالي يملكون وثائق تثبت ملكيتهم لأراضيهم، وأنهم يخشون تكرار سيناريوهات دموية شهدتها مناطق أخرى.

يأتي هذا التصعيد في وقت تستعد فيه كوباني لإحياء الذكرى 11 لانتصارها على تنظيم داعش في شهر يناير، حين تحولت المدينة إلى رمز عالمي للمقاومة والصمود في وجه أحد أخطر التنظيمات الإرهابية التي هددت سوريا، لكن المفارقة المؤلمة أن سكانها يجدون أنفسهم اليوم أمام تهديد وجودي جديد، يختلف في أطرافه لكنه لا يقل خطورة في نتائجه.

أزمة صحية غير مسبوقة

إلى جانب النزوح والحصار، تشهد كوباني وضعاً صحياً وطبيّاً وُصف بالكارثي، وتؤكد معلومات موثقة للمرصد السوري لحقوق الإنسان أن القطاع الصحي في المدينة المحاصرة يفتقد الحد الأدنى من الإمكانيات اللازمة لمواجهة الاحتياجات المتزايدة مع استمرار القصف والأعمال القتالية.

تشير المصادر الطبية إلى نفاد مخزونات الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة مثل السكري والربو وأمراض الكبد، إضافة إلى نقص حاد في معظم الأدوية الأساسية، وتحذر هذه المصادر من أن الأدوية المتبقية، وحليب الأطفال أيضاً، قد تنفد بشكل كامل خلال يومين في حال استمرار الحصار.

مرضى ينتظرون المجهول

رصد نشطاء المرصد السوري وجود مرضى وجرحى بحاجة إلى عمليات جراحية حرجة وعاجلة، إلا أنهم عاجزون عن مغادرة المدينة بسبب الحصار المفروض، وفشلت جميع المحاولات الرامية إلى إخراجهم لتلقي العلاج المناسب، ما يتركهم في مواجهة مصير غامض يهدد حياتهم.

تلقت منظمات حقوقية ووسائل إعلام نداءات استغاثة من داخل مشافي كوباني تؤكد عجزها عن استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى والجرحى القادمين من القرى المجاورة، وتعاني المشافي نقصاً حاداً في حاضنات الأطفال وأجهزة غسيل الكلى، إضافة إلى عدم القدرة على إسعاف المصابين بسبب استهداف أي سيارة تتحرك داخل المدينة وانقطاع الاتصالات وصعوبة التنسيق مع فرق الإسعاف.

نداءات للضمير العالمي

في ظل هذا الواقع القاتم يجدد المرصد السوري لحقوق الإنسان دعوته إلى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية وأصحاب الضمير الحي للتدخل العاجل من أجل إنقاذ المرضى والجرحى وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، وضمان تحييد المشافي والطواقم الطبية عن الاستهداف المباشر، إضافة إلى وقف الأعمال القتالية والالتزام بالهدن المعلنة.

تعد مدينة عين العرب كوباني من أبرز مدن شمال سوريا ذات الغالبية الكردية، وقد اكتسبت أهمية رمزية كبرى بعد صمودها في وجه تنظيم داعش عام 2014 بدعم من التحالف الدولي، منذ ذلك الحين ظلت المدينة تعاني هشاشة أمنية واقتصادية، وتعرضت لموجات نزوح متكررة نتيجة الصراعات المتعاقبة، ومع التحولات السياسية والعسكرية الأخيرة في سوريا عادت كوباني إلى واجهة الأحداث بوصفها إحدى أكثر المناطق تضرراً، حيث تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع معاناة المدنيين، في ظل غياب حل سياسي شامل يضمن الأمن والاستقرار وحقوق السكان.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية