تحت الحصار الرقمي.. حصاد 6 سنوات أممية في مواجهة الاستغلال والاعتداء على الأطفال
على طاولة المجلس الأممي لحقوق الإنسان
على طاولة مجلس حقوق الإنسان في دورته الحادية والستين، يتم استعراض حصاد ست سنوات من ولاية المقررة الخاصة المعنية ببيع الأطفال والاعتداء عليهم واستغلالهم جنسيًا، ماما فاطمة سينغاتيه، والتي سعت خلالها إلى تفكيك واحدة من أبشع انتهاكات الكرامة الإنسانية، في عالم تتسارع فيه المخاطر بوتيرة تفوق قدرة القوانين على اللحاق بها.
والتقرير، الواقع في ثلاث وعشرين صفحة، ليس مجرد استعراض إداري، بل شهادة حقوقية على واقع يتغير سريعا، إذ استند إلى أكثر من 120 مساهمة من دول ومؤسسات وطنية لحقوق الإنسان ومنظمات مجتمع مدني وكيانات أممية، إضافة إلى زيارات ميدانية وخبرات تراكمت عبر الحوار مع الضحايا والناجين وصناع القرار.
ويرسم التقرير خريطة معقدة لجرائم تتخفى خلف الشاشات، وتتغذى على الهشاشة الاجتماعية، وتتفاقم في أزمنة الأوبئة والنزاعات والكوارث، وتُمارس ضد أضعف فئات فئات البشر والأقل قدرة على الدفاع عن أنفسهم.
مخاطر رقمية
وفي البيئة الرقمية، لم يعد الطفل محميًا بحدود الجغرافيا، فالتكنولوجيا رغم إمكاناتها أسيء استخدامها في التحرش الجنسي، وإنتاج وتداول مواد الاعتداء الجنسي على الأطفال، والابتزاز الجنسي، وبث الانتهاكات مباشرة، ويتفاقم الأمر مع التزييف العميق، وتطبيقات التعري، واستنساخ الصوت، وإساءة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
ويشير التقرير إلى ثغرات قانونية خطيرة، أبرزها غياب تعريفات موحدة، وعدم تجريم جميع أشكال مواد الاعتداء الجنسي على الأطفال في بعض الولايات القضائية، وضعف القدرات التقنية، وبطء التعاون القضائي عبر الحدود، إلى جانب عدم كفاية خدمات التعرف على الضحايا وحمايتهم.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك، ما كشفته زيارات الولاية إلى دول عدة، حيث تضاعفت في ألمانيا بين عامي 2019 و2023 حالات إنتاج وتوزيع مواد الاعتداء الجنسي على الأطفال أكثر من ثلاث مرات، فيما اعتُبرت الفلبين في فترة معينة مركزًا رئيسيًا للاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت، مع تورط أفراد من الأسرة أحيانًا في تسهيله.
أزمات تضاعف الهشاشة
وكشفت جائحة كوفيد-19 هشاشة أنظمة الحماية، فإغلاق المدارس وتعطل الخدمات الاجتماعية زادا من تعرض الأطفال للعنف المنزلي والاستغلال الرقمي، وفي النزاعات المسلحة، حيث يعيش اليوم نحو 520 مليون طفل في مناطق صراع، يتخذ العنف الجنسي طابعًا ممنهجًا، ويُستخدم أحيانا كسلاح حرب، وقد سُجلت زيادة بنسبة 35% في حالات الاغتصاب وأشكال العنف الجنسي الأخرى ضد الأطفال مقارنة بعام 2023.
أما النزوح المرتبط بالكوارث المناخية فقد طال نحو 43.1 مليون طفل بين عامي 2016 و2021، في ملاجئ تفتقر إلى الخصوصية والأمان، ما يفتح الباب أمام الاتجار والاستغلال، إذ تتقاطع هذه الأزمات مع الفقر والتهميش، لتدفع أسرًا إلى استراتيجيات بقاء قد تُعرّض أطفالها لمزيد من الانتهاكات.
ويلفت التقرير إلى أن الأطفال الضحايا نادرًا ما يحصلون على جبر فعال، فالتعويض المالي وحده لا يكفي، بل يجب أن يشمل الجبرُ الاستردادَ، وإعادة التأهيل، والدعم النفسي والاجتماعي والطبي، والاعتراف العلني، والاعتذار، والإصلاح المؤسسي، وضمانات عدم التكرار.
كما أن الوصمة الاجتماعية وإلقاء اللوم على الضحية لا يزالان يمنعان الأسر من الإبلاغ، في ظل غياب بيانات مركزية ومصنفة تُظهر الحجم الحقيقي للمشكلة، وحملات توعية بضرورة الإبلاغ.
إنجازات غير مكتملة
ورغم التحديات، أسهمت ولاية المقررة الخاصة في دفع إصلاحات تشريعية ومؤسسية، كما حدث في الجبل الأسود حيث عُدل القانون الجنائي للاعتراف الصريح بجرائم الاستغلال الجنسي للأطفال وإنشاء وحدات متخصصة، كما شهدت اللغة الحقوقية تطورًا مهمًا بالابتعاد عن مصطلحات توصم الضحايا، واستبدالها بتعابير تركز على الجريمة لا على الطفل، إلى جانب إشراك الشباب في صياغة الحلول، في خطوة تعكس نهجًا قائمًا على حقوق الطفل.
وتواجه هذه القضية العديد من التحديات أبرزها صعوبة التنسيق بين القطاعات، وتوحيد البروتوكولات، وبناء القدرات التقنية، إلى جانب تطور أدوات الجريمة بسرعة لافتة، بما في ذلك مواد الاعتداء المنتجة بالذكاء الاصطناعي والاستغلال عبر البث المباشر.
وفي هذا السياق، حثت المقررة الخاصة، الدول على تسريع الجهود للقضاء على بيع الأطفال واستغلالهم جنسيًا والاعتداء عليهم، من خلال التصديق على البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء والمواد الإباحية، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية، وضمان الامتثال الكامل لهما، وتعزيز التعاون الدولي لتبادل الأدلة الإلكترونية ومكافحة الجرائم المرتكبة عبر نظم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وسائر الصكوك ذات الصلة.
يأتي ذلك بالتوازي مع تنسيق التشريعات والسياسات المتعلقة بالاستغلال والاعتداء الجنسيين على الأطفال عبر الإنترنت وخارجه، باستخدام مصطلحات تراعي حساسية الطفل، واعتماد أحكام محايدة تكنولوجيا وقابلة للتكيف مع التقنيات الناشئة.
كما دعت أيضًا إلى تحفيز التضامن الدولي لحماية الفئات المهمشة من الأطفال، عبر الاعتراف بيوم 12 أبريل يومًا دوليًا لأطفال الشوارع، و16 أبريل يوم المظلة الزرقاء لحماية الأطفال من العنف الجنسي، لتتحول التوصيات من نصوص أممية إلى واقع يحمي طفولة مهددة في كل مكان.











