الحق في السكن اللائق يتصدر مناقشات الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان
الحق في السكن اللائق يتصدر مناقشات الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان
في عالم تتسارع فيه موجات النزوح والهجرة والكوارث، يعود الحق في السكن اللائق إلى صدارة النقاش الأممي بوصفه حجر الزاوية في منظومة الكرامة الإنسانية.
وخلال الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان، المنعقدة بجنيف خلال الفترة من 23 فبراير الجاري إلى 31 مارس المقبل، يُناقش تقرير المقرر الخاص المعني بالسكن اللائق، بالاكريشنان راجا غوبال، حصيلة قرابة 6 سنوات من العمل منذ توليه الولاية في مايو 2020.
ويرصد التقرير الأممي التحديات المتفاقمة التي تواجه الحق في السكن اللائق في الدول المأزومة بسبب النزوح والحروب، حيث يعاني السكان بدءاً من الإخلاء القسري وحتى الهدم واسع النطاق في سياقات النزاع، كما في غزة ولبنان وميانمار وسوريا والسودان وأوكرانيا.
ويؤكد التقرير، الواقع في 26 صفحة، أن جائحة كوفيد-19 كشفت بوضوح أن السكن ليس مسألة رفاهية، بل مسألة حياة أو موت، فالأشخاص بلا مأوى أو القاطنون في مساكن مكتظة أو غير لائقة كانوا الأكثر تعرضاً للمخاطر الصحية، في حين دفعت التداعيات الاقتصادية ملايين إلى حافة فقدان منازلهم بسبب العجز عن سداد الإيجارات أو القروض.
وتبنت بعض الدول تدابير استثنائية لتعليق الإخلاءات وإيواء المشردين، إلا أن هذه السياسات بقيت مؤقتة في مواجهة أزمة إسكان بنيوية تتفاقم عالمياً بقوة وقسوة.
وفي معظم البلدان، تجاوزت تكاليف السكن معدلات نمو الأجور، ما جعل الحصول على مسكن ملائم بعيد المنال حتى لذوي الدخل المتوسط، الأمر الذي أسهم في ارتفاع معدلات التشرد.
ويشير التقرير إلى استمرار الإخلاءات القسرية دون ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة أو توفير بدائل سكنية مناسبة، في انتهاك مباشر للحق في السكن اللائق كما كرسته المواثيق الدولية.
عمليات هدم عقابية
ونُفذت عمليات هدم عقابية استهدفت أقليات في بعض الدول، ما دفع المقرر الخاص إلى التدخل قضائياً، من بينها التماس "صديق المحكمة" أمام المحكمة العليا في الهند عام 2024، التي قضت بعدم دستورية الهدم العقابي للمساكن.
ويمتد القلق إلى سياقات أخرى، بينها محاولات إزالة مستوطنات غير رسمية في جزر البهاما يسكنها أشخاص من أصول هايتية، حيث طلبت تدابير عاجلة للحماية.
وأُثيرت أمام القضاء الدنماركي، وصولاً إلى محكمة العدل الأوروبية، مسألة قانونية سياسات نقل قسري لسكان من أحياء مصنفة "غير غربية"، بما يلامس حظر التمييز والفصل المكاني.
ويربط التقرير بين أزمة السكن وتغير المناخ، حيث تتزايد خسارة المنازل بفعل الفيضانات والأعاصير والحرائق والتصحر وارتفاع مستوى البحر، ما يؤدي إلى نزوح الملايين سنوياً.
وفي الوقت ذاته، يواجه كثيرون الإقصاء من سوق السكن بسبب التمييز القائم على العرق أو النوع الاجتماعي أو الإعاقة أو الوضع القانوني أو غيرها من الأسباب المحظورة.
و يسلط التقرير الضوء على أوضاع المهاجرين، الذين يعتمد عليهم قطاع البناء في دول عدة، لكنهم غالباً ما يكونون أول ضحايا الاستبعاد السكني.
وانتقد اعتبار التشرد جريمة، مؤكداً أن معاقبة الأشخاص بسبب نومهم في الأماكن العامة، في ظل إخفاق الدولة في ضمان بدائل سكنية، قد يرقى إلى المعاملة غير الإنسانية، مشيراً إلى أنه قد قُدمت بلاغات ومذكرات قانونية في هذا السياق في دول عدة منها الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا والبيرو ولوكسمبرغ.
تدمير منهجي للمساكن
وفي سياقات النزاع، يوثق التقرير تدميراً منهجياً أو واسع النطاق للمساكن، بما يفضي إلى نزوح جماعي ويقوض الحق في العودة، ويشدد على أن القانون الدولي لحقوق الإنسان ينطلق من قاعدة واضحة وهي أن الإخلاء القسري أو التهجير غير الطوعي غير مشروعين، ويجب إعطاء الأولوية للوقاية والبحث عن بدائل، وضمان ألا تقود مشاريع التنمية أو التخطيط الحضري إلى نزوح كان يمكن تجنبه.
ويضع التقرير مبادئ توجيهية لإعادة التوطين، مؤكداً ثلاثة حقوق محورية، وهي الحق في البقاء، والحق في العودة الطوعية الآمنة والكريمة، والحق في إعادة التوطين عندما تكون ضرورية ومتناسبة ومتفقة مع المعايير الدولية، محذراً من أن برامج إعادة التوطين سيئة التخطيط قد تُفضي إلى الإفقار وفقدان سبل العيش والتهميش طويل الأمد.
ويعدد أربعة عشر حقاً ملازماً للسكن اللائق وإعادة التوطين، من بينها، الحماية من الإخلاء القسري، وتوفير بديل مناسب، والمساواة وعدم التمييز، والحصول الآمن والمنصف على الأرض، والتعويض العادل، والجبر، والمعلومات المفهومة، والانتصاف الفعال، وعدم التعرض للانتقام.
و يحدد التقرير التزامات على الدول والجهات الفاعلة، تشمل حظر الإخلاء القسري، وواجب العناية لمنع الأضرار المتوقعة، وضمان عدم التكرار، والنظر في جميع البدائل قبل أي نقل، وتحمل الجهات المتسببة أو المستفيدة من إعادة التوطين كامل التكاليف، ومنها التعويض واستعادة سبل العيش.
ويشدد على دور المؤسسات الدولية في إنشاء آليات شكاوى مستقلة يسهل الوصول إليها، وتخصيص موارد كافية للرصد والتقييم طويل الأمد.
في جوهره، يدعو التقرير إلى نقل السكن من هامش السياسات إلى قلب العدالة الاجتماعية، فالسكن ليس جدراناً وسقفاً فحسب، بل مساحة للأمان والانتماء والمستقبل، وأي إعادة توطين لا تصون الكرامة ولا تقوم على المشاركة والمساواة والمساءلة، بل تعيد إنتاج الهشاشة بدل معالجتها.










