جرائم إذلال تهز فرنسا.. موظف سابق متهم بتخدير مئات النساء في مقابلات عمل وهمية
جرائم إذلال تهز فرنسا.. موظف سابق متهم بتخدير مئات النساء في مقابلات عمل وهمية
تفجرت في فرنسا قضية غير مسبوقة هزت الرأي العام وأعادت طرح أسئلة عميقة حول استغلال السلطة والانتهاكات الخفية داخل المؤسسات الرسمية، بعد الكشف عن اتهامات خطيرة تطول موظفا حكوميا سابقا في وزارة الثقافة الفرنسية، تتعلق بتخدير مئات النساء خلال مقابلات عمل وهمية على مدار سنوات طويلة.
القضية التي تعود وقائعها إلى الفترة بين 2009 و2018، تسلط الضوء على نمط من السلوك المنهجي الذي يجمع بين الخداع والاستغلال النفسي والجسدي، حيث تتحدث الضحايا عن تجارب قاسية تركت آثارا عميقة على حياتهن الشخصية والمهنية، في وقت لا تزال فيه الإجراءات القضائية في فرنسا مستمرة دون حسم، بحسب ما نقلته صحيفة "التليغراف" البريطانية.
وبحسب ما نقلته الصحيفة فإن المتهم الذي شغل منصب مدير الموارد البشرية في وزارة الثقافة الفرنسية، استغل موقعه لاستدراج النساء عبر إعلانات توظيف وهمية، قبل أن يعرض عليهن لقاءات عمل تبدو رسمية في ظاهرها لكنها كانت تخفي وراءها ممارسات صادمة.
تشير الشهادات إلى أنه كان يقدم للمتقدمات مشروبات ساخنة تحتوي على مواد مدرة للبول دون علم الضحايا، ثم يقترح الخروج في نزهات طويلة، حيث تبدأ النساء بالشعور بأعراض جسدية قاسية تنتهي في كثير من الحالات بفقدان السيطرة، في مشهد وصفته الضحايا بأنه مهين ومؤلم نفسيا.
روايات إنسانية مؤلمة
تروي ماري هيلين بريس البالغة 39 عاما تفاصيل تجربتها التي تعود إلى عام 2016، حين كانت تمر بظروف صعبة بعد ولادة طفلها الثاني وتبحث عن فرصة عمل، تقول إنها تلقت دعوة لإجراء مقابلة في وزارة الثقافة، حيث التقت المسؤول الذي اقترح استكمال النقاش خارج المكتب.
توضح بريس أنها لم تشك في البداية في طبيعة اللقاء، لكنها بعد تناول القهوة شعرت بألم حاد ورغبة ملحة في التبول، قبل أن تفقد السيطرة على نفسها خلال السير، فيما كان المتهم يراقب الموقف عن قرب دون تدخل، وهو ما ترك لديها شعورا عميقا بالإهانة والصدمة.
ليست بريس وحدها من تحدثت، إذ كشفت سبع نساء على الأقل تفاصيل مشابهة، في حين تشير التحقيقات إلى أن عدد الضحايا قد يصل إلى 248 امرأة، ما يعكس اتساع نطاق هذه الممارسات على مدار سنوات.
تفاصيل توثيق صادمة
من بين الشهادات أيضا ما ذكرته أنايس دي فوس، التي خضعت لمقابلة عام 2011 عندما كانت تبلغ 27 عاما، حيث أفادت بأن الشرطة عرضت عليها لاحقا ملفا رقميا يتضمن تفاصيل دقيقة عن الواقعة.
تقول دي فوس إن المتهم كان يسجل كل خطوة في جدول بيانات، بما في ذلك توقيت إعطاء المادة المدرة للبول، ولحظة طلب الضحية التوقف، وحتى لحظة فقدان السيطرة، وهو ما يعكس سلوكا منظما أقرب إلى التجارب الممنهجة منه إلى الأفعال العشوائية.
هذه التفاصيل أثارت صدمة واسعة في فرنسا، ليس فقط بسبب طبيعة الأفعال، بل أيضا بسبب الطريقة التي تم بها توثيقها، ما يعزز فرضية وجود نية مسبقة واستمرار في ارتكاب الانتهاكات.
بداية التحقيق وتأخر العدالة
رغم تعدد الوقائع، لم يتم توقيف المتهم إلا في عام 2018، بعد أن لاحظه أحد زملائه وهو يقوم بتصوير إحدى الموظفات داخل مقر العمل، الأمر الذي أثار الشكوك ودفع إلى إبلاغ السلطات.
وخلال تفتيش أجهزته، عثرت الشرطة على عدد كبير من الصور والملفات، بعضها لنساء تم تصويرهن من زوايا خفية، إضافة إلى وثائق توثق ما وصفه المتهم بنفسه على أنها تجارب.
وفي عام 2019، أقر المتهم بإعطاء مواد مدرة للبول والتقاط بعض الصور، ما أدى إلى توجيه تهم تتعلق بإعطاء مواد ضارة دون موافقة، غير أن القضية لا تزال قيد التحقيق منذ ذلك الحين، دون تحديد موعد للمحاكمة حتى الآن.
غضب الضحايا واستياء متصاعد
يثير طول أمد التحقيق استياء كبيرا بين الضحايا، خاصة بعد منحهن مهلة شهر واحد فقط لتقديم شهادات إضافية قبل إغلاق الملف، وهو ما اعتبرته كثيرات إجراء غير عادل ولا يتناسب مع حجم القضية وتعقيدها.
ترى الضحايا أن ما تعرضن له لا يمكن اختزاله في مجرد سلوك منحرف، بل هو شكل من أشكال الاعتداء القائم على الهيمنة والإذلال، حتى في غياب اللمس المباشر، نظرا لما تسببه هذه الممارسات من أذى نفسي عميق.
وتقول سيلفي ديليزين البالغة 45 عاما إن التجربة تركت آثارا طويلة الأمد على حياتها، حيث عانت لاحقا من اضطرابات نفسية شديدة، فيما أكدت أخريات أنهن واجهن كوابيس متكررة وشعورا مستمرا بالخجل أثر على علاقاتهن وثقتهن بأنفسهن.
نمط استغلال داخل مؤسسة رسمية
تشير منظمات داعمة للضحايا في فرنسا إلى أن القضية تكشف خللا عميقا في آليات الرقابة داخل المؤسسات، حيث تمكن المتهم من استغلال موقعه لسنوات دون كشفه، مستفيدا من الثقة المرتبطة بالمناصب الرسمية.
وتقول فلوريان فولت من مؤسسة تعنى بدعم النساء إن توصيف ما حدث على أنه تجارب يعكس طبيعة التفكير الذي يقف خلف هذه الأفعال، حيث تم التعامل مع الضحايا كوسائل لتحقيق رغبات شخصية، في بيئة كان يفترض أن تكون آمنة ومهنية.
كما وصفت المحامية لويز بيريو القضية بأنها حالة استثنائية من حيث استخدام المواد الكيميائية لإخضاع الضحايا، مؤكدة أن خطورتها تكمن في الجمع بين الخداع والاستغلال والتوثيق المنهجي.
أسئلة مفتوحة حول المساءلة
تطرح هذه القضية تساؤلات واسعة حول فاعلية الأنظمة القانونية في التعامل مع الجرائم المعقدة التي تمتد على سنوات وتشمل عددا كبيرا من الضحايا، خاصة عندما تتداخل فيها عناصر السلطة والسرية.
كما تعيد النقاش حول أهمية توفير بيئة آمنة للنساء في أماكن العمل، وتعزيز آليات الإبلاغ والحماية، لضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلا.
شهدت فرنسا خلال السنوات الماضية تصاعدا في الكشف عن قضايا تتعلق بالتحرش والاستغلال داخل المؤسسات العامة والخاصة، خاصة بعد تنامي الحركات الحقوقية التي شجعت النساء على كسر الصمت والإبلاغ عن الانتهاكات، وقد أدت هذه التطورات إلى فتح نقاشات واسعة حول الثقافة المؤسسية وآليات المساءلة، فضلا عن دور القضاء في التعامل مع الجرائم ذات الطابع الجنسي أو النفسي، وتعد هذه القضية من بين أكثر القضايا تعقيدا نظرا لطبيعة الأفعال المزعومة واتساع نطاقها الزمني وعدد الضحايا المحتملين، ما يجعلها اختبارا حقيقيا لقدرة النظام القضائي على تحقيق العدالة وإنصاف المتضررات، في ظل مطالب متزايدة بتسريع الإجراءات وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.











