بين السياسة والتمويل.. تحديات جسيمة تهدد أداء مجلس حقوق الإنسان
بين السياسة والتمويل.. تحديات جسيمة تهدد أداء مجلس حقوق الإنسان
انطلقت الدورة الأولى من فعاليات عام 2026 لمجلس حقوق الإنسان، أكبر هيئة أممية مكلفة بحماية حقوق الإنسان في العالم، يوم الاثنين الماضي في جنيف، وسط أجواء من التوترات السياسية والصعوبات المالية المتراكمة، ومن المتوقع أن تستمر الدورة حتى 31 مارس، بمشاركة 47 دولة عضو، لمناقشة مجموعة واسعة من القضايا، تشمل حقوق الطفل، والتكنولوجيات الجديدة، وتغير المناخ، إضافة إلى الأوضاع في مناطق النزاع الأكثر خطورة مثل السودان، وأوكرانيا، وإيران، والأراضي الفلسطينية المحتلة.
بحسب ما أوردته شبكة "سويس إنفو" الأربعاء، فإن الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان تأتي في ظل تحديات معقدة تشمل التوترات الجيوسياسية المستمرة، مثل الحرب في أوكرانيا والصراع في غزة، فضلاً عن القيود المالية المفروضة على الأمم المتحدة، ما يضع مجلس حقوق الإنسان تحت ضغط كبير للحفاظ على دوره وفاعليته.
أزمة السيولة وتأثيرها
حذّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في أواخر يناير من خطر انهيار مالي محتمل للمنظمة، نتيجة تأخر الدول الأعضاء في سداد اشتراكاتها المالية أو دفعها جزئيًا، وحتى الآن، لم تسدد سوى 69 دولة من أصل 193 دولة عضو، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين، وهما أكبر الدول المانحة.
ونتيجة لنقص السيولة، خُفضت ميزانية المفوضية السامية لحقوق الإنسان لعام 2026 بنسبة 16 بالمئة لتصل إلى 624.3 مليون دولار، كما تم تقليص مدة جلسة مجلس حقوق الإنسان من ستة أسابيع إلى خمسة أسابيع ونصف الأسبوع، ويقول رئيس المجلس، السفير الإندونيسي سيدهارتو ريزا سوريوديبورو، إن هذه الدورة ستختبر قدرة المجلس على العمل تحت الضغط، مع الحفاظ على مهمته الأساسية في حماية حقوق الإنسان.
تأثيرات التقشف على المجتمع المدني
تشير تقارير من منظمات غير حكومية، مثل منظمة الخدمة الدولية لحقوق الإنسان، إلى أن تقليص مدة الدورة يؤدي إلى تقليص قدرة المجتمع المدني على المشاركة الفاعلة، كما أدت الإجراءات الجديدة إلى إلغاء النظام المختلط الذي أُقر أثناء جائحة كوفيد-19، والذي كان يسمح للمنظمات بالتواصل عن بعد، ما أثر على قدرة المنظمات غير القادرة على السفر إلى جنيف.
التأثير على آليات تقصي الحقائق
أحد أبرز التحديات الناجمة عن أزمة التمويل والسيولة هو تأخر تنفيذ بعض آليات التحقيق التي اعتمدها مجلس حقوق الإنسان في السابق، مثل لجنة التحقيق في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية وآلية التحقيق بشأن أفغانستان، بسبب نقص التمويل، وتاريخياً، عارضت بعض الأنظمة الاستبدادية هذه الآليات معتبرة أنها تتعارض مع سيادة الدول، بينما بدأت مؤخرًا استخدام الاعتبارات المالية لتبرير رفضها.
وتشمل ملفات التحقيق المزمع تجديدها خلال الدورة الجارية بعثات استقصائية في أوكرانيا وسوريا وجنوب السودان وميانمار، ويشير دبلوماسي مطلع إلى أن التبرير المالي أصبح أداة تستخدمها بعض الدول المعارضة، إلا أن أغلبية المجلس تدعم استمرار هذه التفويضات لضمان جمع الأدلة اللازمة لاستخدامها في المحاكم الدولية، كما حدث في محاكمات أعضاء النظام السوري السابق أمام المحاكم الأوروبية.
البعد السياسي للانسحاب الأمريكي
عادت الولايات المتحدة إلى البيت الأبيض في يناير 2025 وطلبت الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان، بعد أن كان لها نفوذ كبير داخله، وقد غادرت الوفود الأمريكية قاعة الاجتماعات، لكنها لا تزال تتابع بعض المسائل عن كثب، ويؤكد مصدر دبلوماسي أن انسحاب الولايات المتحدة يحمل بعدًا أيديولوجيًا، أثر على قدرة المجلس على إحراز تقدم في قضايا الجنسانية وتغير المناخ، وعزز موقف بعض الوفود التي تشاركها الرأي.
خلافات حول المقررة الخاصة بالأراضي الفلسطينية
أثار خطاب وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو جدلاً، إذ طالب باستقالة المقررة الخاصة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، بسبب تصريحات اعتبرها مبالغًا فيها تجاه الحكومة الإسرائيلية، ودعمت دول أخرى، منها ألمانيا، هذا الموقف، ما فتح نقاشات حول استقلالية المقررين وحيادهم، وأشار رئيس المجلس إلى ورود شكوى رسمية ضد المقررة الإيطالية، تم إحالتها إلى لجنة تنسيق الإجراءات الخاصة للتحقق من مدى احترام مدونة السلوك، فيما رفضت اللجنة العام الماضي شكوى مماثلة وأكدت أن الهجمات الإعلامية كانت مبنية على معلومات مضللة.
التحديات الجيوسياسية وتأثيرها على القرارات
تمثل الأزمات الإنسانية في غزة وأوكرانيا وسوريا وغيرها ضغطًا إضافيًا على المجلس، فيما تتهم دول الجنوب الغربي المجتمع الدولي بالازدواجية في المعايير، خصوصًا في التعاطي مع الحرب في غزة مقارنة بما يحدث في أوكرانيا.
وتعكس هذه المواقف تعقيدات اتخاذ القرار داخل المجلس وتأثير القوى الكبرى على جدول أعماله.
أنشئ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قبل عشرين عامًا ليكون الهيئة الأممية الأكبر في مجال حقوق الإنسان، ويضم 47 دولة عضوًا يتم انتخابها كل ثلاث سنوات، ويمثل المجلس منصة دولية لمناقشة الانتهاكات الحقوقية ووضع التوصيات وإقرار التحقيقات في النزاعات.
ويواجه المجلس تحديات مستمرة تشمل التوترات الجيوسياسية، والتمويل المحدود، والضغوط الدولية من القوى الكبرى، ما قد يؤثر على تنفيذ قراراته، وعلى الرغم من الانتقادات، يظل المجلس أداة مهمة لتوثيق الانتهاكات وتقديم الأدلة في المحاكم الدولية، كما يسهم في تعزيز وعي المجتمع الدولي بحقوق الإنسان والحفاظ على المعايير القانونية الدولية.










