في جلسة مشحونة بالمخاوف الدولية.. مجلس حقوق الإنسان يناقش الأزمة الإنسانية في أفغانستان
في جلسة مشحونة بالمخاوف الدولية.. مجلس حقوق الإنسان يناقش الأزمة الإنسانية في أفغانستان
انعقدت اليوم جلسة مهمة ضمن فعاليات الدورة الحادية والخمسين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، حيث ناقش الاجتماع الثامن للجنة التحقيق المستقلة حالة حقوق الإنسان في أفغانستان، استنادًا إلى تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان وتقرير اللجنة الخاصة المعنية بالشأن الأفغاني، وتأتي هذه الجلسة في ظل تصاعد القلق الدولي بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، وخاصة تلك المتعلقة بالنساء والفتيات في أفغانستان، منذ تولي حركة طالبان السلطة في عام 2021.
افتتاح الجلسة ومداخلات الأطراف
وأكد فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان في كلمته خلال افتتاحية الجلسة أمام مجلس حقوق الإنسان، أن أفغانستان أصبحت "مقبرة لحقوق الإنسان" نتيجة سلسلة من المراسيم والإعلانات المتفرقة الصادرة عن السلطات القائمة بحكم الأمر الواقع، وأوضح تورك أن هذه المراسيم، التي يتم تقنينها ضمن إطار قانوني واسع النطاق، تشمل توسيع نطاق الجرائم المعاقب عليها بالإعدام، واستخدام العقوبات الجماعية، بما في ذلك على ضحايا العنف المنزلي، ما يشرعن العنف ضد النساء والأطفال ويجرم انتقاد القيادة والسياسات الرسمية، في انتهاك صارخ لحرية التعبير والتجمع.
وأكد المفوض السامي أن النساء والفتيات يعانين قمعًا وتمييزًا ممنهجًا يشبه نظام الفصل العنصري، حيث تم تجريم وجودهن في الحياة العامة، وحرمانهم من التعليم الثانوي وما فوق، ومن فرص العمل، ويؤثر التمييز على الرعاية الصحية وحرية التنقل والتعبير.
وأشار إلى أن السلطات أفشلت عمل موظفات الأمم المتحدة في البلاد منذ سبتمبر 2025، كما أن وسائل الإعلام تخضع للرقابة والضغط المالي، مما يعطل مهام الصحفيات ويحد من حرية التعبير.
وأشار تورك إلى الأحداث التي أعاقت الحياة اليومية للمواطنين، مثل انقطاع الاتصالات لمدة 48 ساعة في نهاية سبتمبر من العام الماضي، والذي أدى إلى تعطيل الرعاية الصحية وخدمات الطوارئ والطيران والنظام المصرفي، وفرض قيود على وصول النساء والفتيات.
الأزمة الاقتصادية والإنسانية
وأشار المفوض السامي إلى أن ملايين الأفغان يعيشون في فقر مدقع، محرومين من الغذاء والمياه والتعليم والرعاية الصحية والعمل، وأن الوضع تفاقم بعد الزلازل التي ضربت البلاد في أواخر عام 2025، بالإضافة إلى تخفيضات التمويل المخصص للمساعدات الإنسانية، مما حرم السكان من شريان حياتهم الأخير، وأوضح تورك أن برنامج الأغذية العالمي غير قادر على استيعاب ثلاثة من كل أربعة أطفال يعانون من سوء التغذية الحاد بسبب نقص التمويل، فيما أُجبر عدد كبير من اللاجئين على العودة القسرية من الدول المجاورة، لا سيما باكستان وجمهورية إيران، مع فرص محدودة للحصول على الرعاية الصحية والتعليم والعمل.
كما لفت إلى ارتفاع الضحايا المدنيين نتيجة الاشتباكات عبر الحدود مع القوات العسكرية الباكستانية، حيث تم توثيق 70 حالة وفاة و478 إصابة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2025، إضافة إلى مقتل 13 مدنياً وإصابة آخرين في غارات جوية أخرى، وأكد أن الوضع يتطلب حوارًا سياسيًا عاجلاً بدلاً من تصعيد العنف، وأن انتهاكات حقوق الإنسان لها تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار.
دعوات محددة للسلطات
طالب المفوض السامي السلطات الأفغانية بإلغاء جميع المراسيم والسياسات التمييزية، وضمان حقوق النساء والفتيات في التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل، وتمكينهن من المشاركة الكاملة في الحياة العامة، والكف عن عرقلة عمل الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، والسماح بالوصول الكامل إلى مباني الأمم المتحدة لجميع الموظفات، كما دعا إلى فرض وقف كامل لتنفيذ أحكام الإعدام تمهيدًا لإلغائها، ووقف جميع الاعتقالات والاحتجازات التعسفية، وضمان محاكمة عادلة، واحترام حرية التعبير ورفع القيود عن وسائل الإعلام.
وأكد تورك أن المساءلة أمر أساسي، وأن مكتبه يعمل على تفعيل آلية التحقيق المستقلة التي أنشأها المجلس، داعيًا الدول الأعضاء لتقديم الدعم المالي واللوجستي الكامل لهذه الآلية، والتحقيق في انتهاكات القانون الدولي التي ارتكبتها قواتها خلال عقود من الصراع في أفغانستان.
تقرير ريتشارد بينيت
وقدم ريتشارد بينيت، نائب الرئيس والمسؤول عن التقرير الخاص، رؤية شاملة حول الوضع الصحي والحقوقي في أفغانستان، مع التركيز على حقوق النساء والفتيات، وأوضح أن النظام الصحي هش نتيجة عقود من الصراع والفقر، ونقص الاستثمار، والاعتماد المفرط على المانحين، وأن التخفيضات الأخيرة في المساعدات فاقمت الوضع، فيما تمنع سياسات طالبان القمعية النساء والفتيات من الحصول على الخدمات الأساسية.
وأكد أن هذه السياسات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، وأن الحق في الصحة يشمل الغذاء والمياه النظيفة والمأوى الآمن والصحة النفسية، بالإضافة إلى حرية التنقل والتعليم والعمل.
وأشار بينيت إلى عواقب التمييز القائم على الجنس في القطاع الصحي، حيث تمنع النساء من الوصول إلى المستشفيات دون مرافق، وتحرم الكوادر الطبية النسائية من التعليم، وهو ما يقوض استقلالية المرأة ويهدد استدامة النظام الصحي، ويزيد من وفيات الأمهات وانتشار الأمراض القابلة للوقاية.
شهادات حية من المجتمع المدني
قدمت ممثلة المجتمع المدني من أفغانستان، شهادتها أمام المجلس، مؤكدة أن النساء والفتيات يواجهن عوائق جسيمة أمام الرعاية الصحية والتعليم والعمل. وأوضحت أن حرمان النساء من التعليم الطبي يؤدي إلى فقدان نصف القوى العاملة المحتملة، ويجعل النظام الصحي غير قادر على الاستمرار، وأكدت أن تعليم الفتيات ليس مجرد حق إنساني، بل هو تدخل صحي ووقاية وحماية للمجتمع، وأن حرمانهن يشكل تهديدًا مباشرًا لصحة المجتمع بأكمله.
مواقف الدول
أعربت أستراليا نيابة عن مجموعة من الدول، بما في ذلك كندا ونيوزيلندا، عن قلقها العميق إزاء حملة طالبان لمحو النساء والفتيات من الحياة العامة، وحاجة 22 مليون أفغاني إلى مساعدات إنسانية عاجلة بسبب القمع القائم، مؤكدة أن الإجراءات الجنائية الجديدة تشرعن العنف وتُقوّض القانون الدولي وتؤثر على السلام والاستقرار في المنطقة.
بينما أكدت باكستان نيابة عن منظمة التعاون الإسلامي، قلقها البالغ إزاء تدهور حقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية في أفغانستان، محذرة من استمرار حظر تعليم الفتيات، وقيود عمل المرأة وحرية تنقلها ومشاركتها، داعية السلطات إلى حماية حقوق جميع سكان أفغانستان، بما في ذلك الأقليات العرقية والدينية، ومنع استخدام الأراضي الأفغانية للإرهاب.
من جانبها، شددت ممثلة الاتحاد الأوروبي على ضرورة حماية حقوق النساء والفتيات، ورفض السياسات القمعية التي تتجاهل الالتزامات الدولية، داعية إلى تمكين المرأة من العمل، وتقديم المساعدة الإنسانية بشكل مفتوح ودون عوائق، وتفعيل آلية التحقيق المستقلة لضمان السلام والاستقرار المستدام.
وخلصت الجلسة إلى أن الوضع في أفغانستان يشهد تدهورًا خطيرًا ومستمرًا في حقوق الإنسان، مع انتهاكات ممنهجة ضد النساء والفتيات، وعقوبات جماعية، وانتهاكات للحريات الأساسية، وتدهور النظام الصحي والاقتصادي، ودعت المفوضية والمجلس جميع الدول الأعضاء إلى تكثيف الجهود الإنسانية، وضمان حماية الحقوق الأساسية، والضغط على السلطات الأفغانية لإلغاء السياسات التمييزية، وفتح المجال أمام مشاركة المرأة في الحياة العامة، وتعزيز المساءلة القانونية، وأكدت الجلسة على أهمية استمرار الحوار الدولي، وتكامل الجهود لضمان احترام حقوق الإنسان وإعادة دمج أفغانستان في المجتمع الدولي مع احترام التزاماتها الدولية.










