بين الغلاء والانقسام السياسي.. الليبيون يخرجون إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير
بين الغلاء والانقسام السياسي.. الليبيون يخرجون إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير
اتسعت رقعة الاحتجاجات في غرب ليبيا خلال ليل الجمعة_السبت لتشمل 4 مدن على الأقل في مشهد يعكس تصاعد حالة الغضب الشعبي من الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتدهورة، وخرج مئات المواطنين إلى الشوارع للتعبير عن رفضهم لاستمرار الأزمات التي تثقل كاهلهم يومياً وسط دعوات صريحة لإنهاء المرحلة السياسية الحالية ورحيل جميع الأجسام الحاكمة التي يتهمها المحتجون بالفشل في إدارة البلاد.
وبحسب ما نقلته تقارير إعلامية وما نشر على مواقع التواصل فإن هذه التحركات جاءت نتيجة تراكم ضغوط اقتصادية متزايدة وقرارات مالية أثارت جدلاً واسعاً في الشارع الليبي، خاصة بعد بدء تطبيق رسوم وضرائب جديدة على السلع المستوردة، ما أدى إلى موجة ارتفاعات جديدة في الأسعار، وتشير هذه التقارير إلى أن الاحتجاجات لم تكن مفاجئة بل سبقتها حالة من الاحتقان الشعبي المتنامي خلال الأشهر الأخيرة.
طرابلس في قلب المشهد
في العاصمة طرابلس تجمّع المحتجون في ميدان الجزائر في واحدة من أبرز نقاط التجمع التي شهدت ترديد شعارات تطالب بإسقاط الحكومة وتحملها مسؤولية تدهور الأوضاع، في ليبيا، كما خرجت مسيرات جابت عدداً من الشوارع الرئيسية حيث عبّر المشاركون عن استيائهم من تراجع مستوى الخدمات العامة وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل غير مسبوق.
ورفع المحتجون لافتات تعكس حالة الإحباط من الواقع الراهن مؤكدين أن الأزمات لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل أو المعالجات المؤقتة. وأوضح عدد من المشاركين أن تحركاتهم تأتي في إطار الضغط السلمي من أجل دفع السلطات إلى اتخاذ خطوات جادة لمعالجة جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بالحلول الجزئية.
امتداد الاحتجاجات إلى مدن الغرب
لم تقتصر التحركات على العاصمة بل امتدت إلى مدن زليتن والزاوية حيث خرجت مظاهرات مماثلة حملت نفس المطالب والشعارات، وركز المتظاهرون في هذه المدن على ضرورة إنهاء حالة الانقسام السياسي التي يرون أنها السبب الرئيسي في تعقيد الأوضاع الاقتصادية وتعطيل أي إصلاحات حقيقية.
وطالب المشاركون بإسقاط جميع الأجسام السياسية، سواء في الشرق أو الغرب، معتبرين أن استمرارها يعمق الأزمة ويؤخر أي أفق للحل. كما شددوا على ضرورة محاسبة المسؤولين عن التدهور الاقتصادي مؤكدين أن غياب المساءلة أسهم في تفاقم الفساد وإهدار الموارد.
صوت الشارع ورسائل الغضب
في مقاطع مصورة تداولها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي عبّر عدد من المحتجين عن أسباب خروجهم إلى الشارع، وقال أحد المشاركين إن ما يحدث اليوم هو نتيجة طبيعية لسنوات من سوء إدارة المال العام في ليبيا وتجاهل معاناة المواطنين مشيراً إلى أن الأوضاع وصلت إلى مرحلة لا يمكن السكوت عنها.
وأضاف أن خروج هذا العدد من الناس يمثل رسالة واضحة ضد الفقر وغلاء الأسعار وانهيار العملة المحلية مؤكداً أن المواطن يجب ألا يتحمل تبعات الصراعات السياسية والفساد المستمر. وتعكس هذه التصريحات حالة من الوعي الشعبي المتزايد بطبيعة الأزمة وأسبابها الحقيقية.
قرارات اقتصادية تشعل الاحتقان
جاءت هذه الاحتجاجات بعد إعلان مصرف ليبيا المركزي عن بدء تطبيق إجراءات مالية جديدة تشمل فرض رسوم على عدد من السلع المستوردة، وتهدف هذه الخطوة بحسب الجهات الرسمية إلى معالجة الاختلالات المالية الناتجة عن ارتفاع سعر الدولار وتقليل الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي.
غير أن هذه الإجراءات قوبلت بانتقادات واسعة من قبل المواطنين والتجار الذين يرون أنها ستؤدي إلى مزيد من الارتفاع في الأسعار بدلاً من تخفيف الأعباء، ويؤكد اقتصاديون أن أي إصلاحات مالية لا يمكن أن تنجح في ظل غياب الاستقرار السياسي واستمرار الانقسام المؤسساتي.
أزمة معيشية خانقة
تمر ليبيا في الوقت الراهن بأزمة اقتصادية توصف بأنها من الأسوأ منذ سنوات حيث يشهد سعر صرف الدينار الليبي تراجعاً حاداً أمام الدولار ما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، كما يعاني السوق من نقص في بعض السلع الأساسية نتيجة اضطرابات الاستيراد وارتفاع تكاليف النقل.
ويضاف إلى ذلك استمرار أزمة السيولة التي تعوق قدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم اليومية وتزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي، وفي ظل هذه الظروف يجد كثير من الأسر نفسه أمام تحديات متزايدة لتأمين متطلبات الحياة الأساسية.
الانقسام السياسي وتعقيد الحلول
يرى مراقبون أن الأزمة الاقتصادية في ليبيا لا يمكن فصلها عن الانقسام السياسي المستمر منذ سنوات والذي أدى إلى وجود مؤسسات متوازية وصراعات على السلطة والموارد، وهذا الوضع أضعف قدرة الدولة على تنفيذ سياسات اقتصادية موحدة وفتح المجال أمام انتشار الفساد وسوء الإدارة.
كما أن غياب توافق سياسي شامل يعطل تنفيذ أي إصلاحات هيكلية ضرورية لإنعاش الاقتصاد ويجعل من الصعب استعادة الثقة سواء على المستوى المحلي أو الدولي، ويؤكد خبراء أن أي حل حقيقي للأزمة يتطلب معالجة جذور الانقسام قبل أي إجراءات اقتصادية.
توقعات المرحلة المقبلة
مع استمرار الاحتجاجات واتساع نطاقها تزداد التساؤلات حول كيفية تعامل السلطات مع هذه التحركات وما إذا كانت ستستجيب لمطالب الشارع أم ستلجأ إلى حلول مؤقتة، ويرى البعض أن استمرار الضغط الشعبي قد يدفع نحو تغييرات سياسية أو على الأقل فتح باب الحوار حول إصلاحات جادة.
في المقابل يحذر آخرون من أن تجاهل هذه المطالب قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد ويزيد من حالة عدم الاستقرار، وفي كل الأحوال تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على عدة سيناريوهات تتوقف على طبيعة الاستجابة الرسمية وقدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى تفاهمات.
تشهد ليبيا منذ عام 2011 حالة من الاضطراب السياسي والانقسام المؤسسي الذي انعكس بشكل مباشر على الوضع الاقتصادي والمعيشي، وتعتمد البلاد بشكل كبير على عائدات النفط التي تأثرت مراراً نتيجة الإغلاقات والصراعات، ما أدى إلى تذبذب الإيرادات العامة، كما أسهم غياب الاستقرار في تراجع الاستثمار وارتفاع معدلات البطالة، ومع مرور الوقت تراكمت الأزمات لتصل إلى مرحلة حرجة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية مع السياسية والاجتماعية، ويؤكد محللون أن استمرار هذا الوضع دون حلول جذرية سيؤدي إلى مزيد من التدهور ما لم يتم التوصل إلى تسوية شاملة تعيد بناء مؤسسات الدولة وتضع أسس إدارة اقتصادية فعالة ومستدامة.










