الأرامل والأمهات تحت الحصار.. كيف تعيد الحرب تشكيل واقع النساء في غزة؟
الأرامل والأمهات تحت الحصار.. كيف تعيد الحرب تشكيل واقع النساء في غزة؟
تفاقمت معاناة النساء في قطاع غزة بشكل غير مسبوق مع استمرار الحرب الإسرائيلية التي اندلعت في أكتوبر 2023، حيث تحولت النساء إلى إحدى أكثر الفئات تضرراً من التداعيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية للنزاع، وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن النساء يشكلن نحو 49% من إجمالي السكان في فلسطين مع نهاية عام 2025، بواقع 2.74 مليون امرأة، منهن 1.06 مليون في قطاع غزة.
ويؤكد هذا الحضور الديموغرافي الكبير أن أي تدهور إنساني في القطاع ينعكس بصورة مباشرة على حياة النساء، سواء بوصفهن ضحايا مباشرات للقصف أو معيلات للأسر في ظل فقدان المعيلين وانهيار الخدمات الأساسية، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
تغيرات عميقة داخل البنية الأسرية
تسببت الحرب في تغيرات عميقة داخل البنية الأسرية في قطاع غزة، حيث أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء أن 22,057 امرأة فقدن أزواجهن منذ اندلاع الحرب، ما أدى إلى ارتفاع نسبة الأسر التي تعيلها نساء من 12% قبل الحرب إلى نحو 18% خلال فترة العدوان، ويعكس هذا التحول الاجتماعي عبئاً مضاعفاً تتحمله النساء اللواتي أصبحن مسؤولات عن إعالة أسرهن في ظل اقتصاد منهار، ونزوح واسع النطاق، وتدمير للبنية التحتية المدنية، وتشير تقارير منظمات إغاثية إلى أن العديد من هؤلاء الأرامل يواجهن صعوبات في تأمين الغذاء والمأوى والرعاية الصحية لأطفالهن في ظل استمرار القيود على دخول المساعدات.
تدهور الأوضاع الاقتصادية
إلى جانب فقدان المعيلين، تدهورت الأوضاع الاقتصادية للنساء بشكل حاد، فقد بقيت نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة في غزة عند مستوى 17% خلال عام 2025، في حين تراجعت مشاركة الرجال من 63% إلى 31% نتيجة الدمار الواسع للاقتصاد المحلي، وتشير البيانات إلى أن معدل البطالة بين النساء بلغ 92% مقارنة بـ81% بين الرجال، وهو من أعلى المعدلات المسجلة عالمياً. ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الواقع يعكس انهياراً شبه كامل لسوق العمل في القطاع، حيث أُغلقت آلاف المنشآت، وتوقفت قطاعات اقتصادية حيوية كانت توفر فرص عمل محدودة للنساء مثل التعليم والخدمات الاجتماعية.
وتبرز فئة الشابات المتعلمات بوصفها واحدة من أكثر الفئات تضرراً من الأزمة الاقتصادية، فقد ارتفع معدل البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و29 عاماً من حملة الدبلوم المتوسط فأعلى إلى 79%، بواقع 86% للإناث مقابل 70% للذكور، ويشير هذا الفارق إلى اتساع الفجوة الاقتصادية بين الجنسين في ظل الحرب، حيث تواجه النساء تحديات كبرى للوصول إلى فرص العمل أو المبادرات الاقتصادية، خصوصاً مع انهيار المؤسسات التعليمية والاقتصادية التي كانت توفر لهن فرصاً محدودة للاندماج في سوق العمل.
الأزمات الصحية
على الصعيد الصحي، تعيش النساء في غزة واحدة من أخطر الأزمات الصحية في تاريخ القطاع، فقد تعرض نحو 94% من مرافق الرعاية الصحية للتدمير أو التضرر نتيجة العمليات العسكرية، ما أدى إلى انهيار شبه كامل للنظام الصحي، وفي هذا السياق، تواجه نحو 37 ألف امرأة حامل ومرضع خطر سوء التغذية الحاد خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر 2025 وأكتوبر 2026، وفق تقديرات المؤسسات الصحية، ويحذر مختصون من أن نقص الغذاء والدواء والرعاية الطبية الأساسية يشكل تهديداً مباشراً لصحة الأمهات والأطفال في القطاع.
انعكس انهيار النظام الصحي بشكل مباشر على مؤشرات صحة الأمهات، حيث ارتفع معدل وفيات الأمهات في غزة إلى 145 حالة لكل 100 ألف ولادة حية عام 2024، مقارنة بـ17.4 حالة فقط عام 2022 قبل الحرب، ويعد هذا الارتفاع من أكبر الزيادات المسجلة عالمياً في فترة زمنية قصيرة، ويعكس حجم الانهيار في خدمات التوليد والرعاية الطبية للنساء، خصوصاً مع نقص الكوادر الطبية والإمدادات الأساسية وإغلاق العديد من المستشفيات نتيجة القصف أو نفاد الوقود.
ولا تقتصر الأزمة الصحية على خدمات الولادة، بل تمتد إلى الأمراض المزمنة والخطيرة التي تعاني منها النساء، وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء إلى أن سرطان الثدي يشكل نحو 30% من إجمالي حالات السرطان بين النساء في غزة، بمعدل 29 إصابة لكل 100 ألف امرأة. ومع توقف خدمات الكشف المبكر والعلاج لأكثر من عامين نتيجة الحرب، تحذر منظمات صحية من احتمال ارتفاع معدلات الوفيات المرتبطة بهذا المرض، خصوصاً مع عدم قدرة المرضى على السفر لتلقي العلاج خارج القطاع بسبب القيود المفروضة على الحركة.
المفقودون تحت الأنقاض
إلى جانب الضحايا المباشرين للحرب، تشير تقديرات حقوقية إلى وجود آلاف النساء في عداد المفقودين تحت الأنقاض، فقد أفاد المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً بأن عدد المفقودين في قطاع غزة يقدر بنحو ثمانية آلاف شخص، بينهم ما لا يقل عن 3200 امرأة وفتاة، كما تشير تقديرات أخرى إلى أن النساء قد يشكلن نحو 70% من إجمالي المفقودين بسبب وجودهن داخل المنازل وقت القصف، وتعود صعوبة تحديد الأرقام بدقة إلى استمرار الدمار الهائل وصعوبة الوصول إلى مواقع الأنقاض في العديد من المناطق، وفق المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً.
الاختفاء القسري داخل السجون
وفي سياق متصل، أعربت منظمات حقوقية عن مخاوف متزايدة من وجود نساء فلسطينيات ضمن حالات الاختفاء القسري داخل السجون الإسرائيلية، فقد وثق المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً اعتقال عشرات النساء من قطاع غزة خلال العمليات العسكرية، في حين لا تزال السلطات الإسرائيلية ترفض الكشف الكامل عن مصير بعض المعتقلات أو أماكن احتجازهن، وترى منظمات حقوق الإنسان أن هذا الغموض يثير مخاوف جدية بشأن احتمال تعرض بعض النساء للاختفاء القسري، وهو ما يشكل انتهاكاً لقواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.
خطورة الأوضاع الإنسانية
وقد حذرت منظمات أممية ودولية من خطورة الأوضاع الإنسانية التي تواجهها النساء في غزة، فوفق تقارير صادرة عن هيئات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية، فإن النساء والأطفال يشكلون النسبة الكبرى من ضحايا الحرب، كما أن انهيار الخدمات الصحية والغذائية يزيد من مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي والزواج المبكر والعمل القسري، وتشدد هذه التقارير على أن القانون الدولي الإنساني يلزم أطراف النزاع بحماية المدنيين، خصوصاً النساء، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون معوقات.
ويرى باحثون في الشؤون الإنسانية أن معاناة النساء في غزة ليست حدثاً طارئاً فحسب، بل امتداد لتاريخ طويل من الأزمات المتراكمة في القطاع الذي يخضع لحصار منذ عام 2007، فقد أدى الحصار والحروب المتكررة إلى إضعاف البنية الاقتصادية والاجتماعية، ما جعل النساء أكثر هشاشة في مواجهة الصدمات الكبرى مثل الحرب الحالية، ومع استمرار النزاع وتدهور الأوضاع المعيشية، يحذر خبراء من أن آثار هذه الأزمة ستستمر لسنوات طويلة، خاصة في النساء اللواتي يتحملن عبء إعادة بناء الحياة الأسرية والمجتمعية في قطاع يعاني من دمار واسع النطاق.











