إزاحة ذوي البشرة السوداء عن مناصب أمريكية عليا.. هل تُستخدم السلطات سلاحاً عنصرياً؟
إزاحة ذوي البشرة السوداء عن مناصب أمريكية عليا.. هل تُستخدم السلطات سلاحاً عنصرياً؟
شهدت الأشهر الأخيرة سلسلة من الإقالات والإزاحات لمسؤولين بارزين من ذوي البشرة السوداء في مؤسسات فيدرالية أمريكية وقطاع عام واسع النفوذ، من بينها محاولة إقالة حاكمة في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي وأعقابها نزاعات قضائية وسياسية حادة، وأثارت هذه الحركات اتهامات متكررة بأن الإدارة تستهدف أصواتاً متنوعة وتُضعف تمثيلاً تاريخياً في مواقع القرار، وأطلقت موجة استنكارات من منظمات حقوق مدنية وطنية ودولية.
ومن أبرز الوقائع التي دفعت النقاش إلى الواجهة محاولة الرئيس دونالد ترامب لرفض بقاء ليزا كوك في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، ما دفع كوك إلى رفع دعوى قضائية للطعن في إقالتها، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة للهيمنة على مؤسسة مستقلة تقليدياً.
وفي قضايا موازية تمّت إقالات لقيادات أخرى أو إجراء تغييرات لافتة في مناصب مهمة شغلتها سابقاً قيادات سوداء، بينها حالات في قطاعات الدفاع والمعرفة والعمل الفيدرالي، وقد ردّت منظمات مدافعة عن الحقوق المدنية بإدانات علنية وصفت ما يجري بأنه نمط من التطهير المؤسسي يستهدف تنويع التمثيل، بحسب وكالة "أسوشيتدبرس".
أسباب محتملة
تتباين التبريرات الرسمية من تسويغ الإجراءات على أساس "ممارسات إدارية" أو نتائج تحقيقات متفرقة، إلى تبريرات تتصل برغبة إدارة جديدة في تشكيل هيكل مؤسسي يتماشى مع أولوياتها السياسية، لكن المراقبين يربطون هذه الإقالات بتيارين متوازيين داخل المشهد السياسي الأول حملة واسعة ضد سياسات التنوع والإنصاف (DEI) والثاني محاولات لتوسيع نفوذ السلطة التنفيذية على مؤسسات سبق أن تميزت باستقلالها، ومن ثمّ تُقرأ الإقالات أيضاً جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل المراكز المؤسسية، على حساب التمثيل العرقي والتعددية داخل الصفوف القيادية.
وأثارت عمليات الإقالة نزاعات قانونية حادة حول مدى سلطة الرئيس دونالد ترامب في عزل موظفين معينين، خصوصاً أعضاء هيئات شبه مستقلة، فقد أدت طلبات الطعن القضائية التي رفعتها بعض الأطراف إلى نظر قضايا أمام محاكم فيدرالية، وبلغت بعضها مكتب المحكمة العليا الذي أصدر قرارات مؤقتة بشأن بقاء بعض الأعضاء.
وأعادت هذه المواجهات القانونية طرح أسئلة دستورية قديمة عن حدود سلطة العزل وقواعد حماية الاستقلال المؤسسي، وأبرزت مخاطر سياسية على ثقة الأسواق والمواطنين في مؤسسات يفترض أن تكون فوق التجاذبات الحزبية.
ردود فعل حقوقية ومجتمعية
أدانت منظمات مدنية بارزة مثل الرابطة الوطنية لتقدّم الملونين والمنظمات القانونية الحقوقية ما عدته "استهدافاً مقلقاً" لقادة سود، ووصفت محاولات الإقالة بأنها إساءة استخدام للسلطة وتآكل لركائز العدالة والمساواة، كما أصدرت منظمات قانونية بيانات دعم لضحايا إجراءات الإقالة وشاركت في دعاوى قضائية لحماية حقوق هؤلاء الموظفين.
على المستوى الدولي، أعربت مؤسسات أممية وخبراء حقوق عن قلقهم حيال ما قد يمثل تحولاً في مقاربة الولايات المتحدة تجاه مبادئ مكافحة التمييز وتعزيز المساواة، في سياق اتساع سياسات عابرة للحدود تستدعي أنظار المجتمع الدولي.
ليس السلوك الحالي منعزلاً عن تاريخ أطول من تصريحات وسياسات مثيرة للجدل مرتبطة برئيس جماعي سابق، حيث سبق أن رُبطت ممارسات وسلوكيات عامة بقضايا عنصرية قديمة في الداخل الأمريكي، وسياق هذا التاريخ يجعل أي تحرك يستهدف تمثيل السود في مواقع القرار عرضة لقراءة تربط بين السياسة وميكانيزمات استبعادٍ عرقي مجدّدة، وهو ما دفَع كثيرين إلى الربط بين ما يجري اليوم ونمط من التعبير السياسي الذي عانى منه أصحاب البشرة السوداء في المجتمع على مدار عقود.
وتُظهر مقارنة بسيطة أن نسبة تمثيل ذوي البشرة الملونة في المناصب الوزارية والقيادية تقلّصت مقارنة بفترات سابقة، ما ينعكس عملياً في فقدان صوت استشاري تمثيلي داخل دوائر صناعة القرار، وهو ثمن سياسي ومؤسسي يدفعه المجتمع المدني والشرائح الأكثر هشاشة، وهذا الانكماش في التمثيل يأتي أيضاً في ظل سياسات تقيد برامج التنوع والمساواة، ما يضعف آليات الوقاية ضد التمييز داخل الإدارة العامة وفي العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها.
المساءلة والتوصيات الحقوقية
تدعو المجموعات الحقوقية والقانونية إلى عدد من الخطوات العملية منها: ضمان إجراءات عزل شفافة ومحددة قانونياً، احترام ضمانات "due process" للموظفين الفيدراليين، تعزيز دور الرقابة البرلمانية والقضائية على التنفيذ، وإعادة إرساء سياسات التوظيف التي تحمي التنوّع دون أن تتحول إلى رهانات سياسية.
كما تُطالب منظمات حقوقية دولية بالضغط لضمان ألا تكون حقوق الفئات الممثلة في الإدارة موضع استهداف سياسي، وأن تُحتفظ الولايات المتحدة بمسؤولياتها الدولية في مجال مكافحة العنصرية والتمييز.
تُعدّ الإقالات المتسلسلة لمسؤولين سود في مرافق الدولة فصلاً من آثار أوسع لسياسات مؤثرة في بنية التمثيل والعدالة داخل الولايات المتحدة، ما يتطلبه المشهد ليس مجرد نقاش حول كل حالة على حدة، بل فحص مؤسسي لقواعد العزل وصون استقلال المؤسسات، واستعادة آليات الضبط والمساءلة التي تمنع أن تُستخدم مواقع الدولة أداة لانتقاص حقوق مواطنين أو أقليات، وفي غياب هذه الإصلاحات تظل الثقة العامة معرضة للركود، وسيظل الحديث عن المساواة والعدالة في إدارة الدولة مجرد شعارات تتنازعها وسائل السلطة.