وسط غياب الحماية.. اختطاف 8 من دار أيتام في هايتي يكشف جحيم العنف
وسط غياب الحماية.. اختطاف 8 من دار أيتام في هايتي يكشف جحيم العنف
بعد ثلاثة أسابيع من الاحتجاز المظلم، تنفّس العالم الصعداء مع خبر الإفراج عن جينا هيراتي، العاملة الإنسانية الأيرلندية ومديرة دار أيتام "إخواننا وأخواتنا الصغار"، إلى جانب سبعة هايتيين بينهم طفل لم يتجاوز الثالثة.
بدأت القصة في ساعات الفجر الأولى من الثالث من أغسطس حين اقتحم مسلحون المبنى واقتادوا الرهائن، انتهت بمشهد الإفراج، لكنها تركت وراءها أسئلة قاسية عن مستقبل الأطفال، عن سلامة العاملين الإنسانيين، وعن بلد ينهشه العنف المسلّح بلا هوادة.
أصدرت عائلة هيراتي بياناً عبّرت فيه عن "راحة لا توصف" بعد عودة جينا، ولم تكن كلماتهم مجرد احتفال، بل كانت صدى لأسابيع عاشتها الأسرة بين الرجاء والخوف، قائلين: "نحن ممتنون للغاية للجميع في هايتي وعلى الصعيد الدولي"، وأضافوا، في إشارة إلى شبكة تضامن تحركت بصمت خلف الكواليس لضمان أن يعود الرهائن سالمين.
بالنسبة لهم، لم يكن الاختطاف مجرد خبر، كان امتحاناً للصبر والصلابة الإنسانية.
تضامن رسمي وشخصي
من دبلن، جاء صوت نائب رئيس الوزراء الأيرلندي،سيمون هاريس، ليصف الحدث بأنه "محطة صعبة ومرهقة للغاية لعائلة هيراتي"، وليشيد بشجاعتها وتفانيها.
لم تكن كلمات المسؤول الأيرلندي دبلوماسية باردة، كانت تحية لإنسانة "محترمة وشجاعة للغاية"، كرست حياتها، منذ عام 1993، لدعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والفئات الأكثر ضعفاً في هايتي، وفي لحظة الإفراج، اجتمعت السياسة مع الإنسانية في خطاب واحد، حيث امتزج الفخر بالامتنان.
ولم تبدأ القصة مع حادثة الخطف، فمنذ ثلاثة عقود، كانت جينا هيراتي تعيش في هايتي، تدير برامج لذوي الاحتياجات الخاصة، وتشرف على نحو 240 إلى 270 طفلاً في كينسكوف، لكن ذلك البيت الذي صُمم ليكون ملاذاً آمناً للأطفال تحوّل في ليلة واحدة إلى ساحة عنف.
رهائن بينهم طفل
اقتحم المسلحون الجدار، دخلوا المبنى، وغادروا مع رهائن بينهم طفل صغير، وأصبح المكان الذي يجسد الرحمة والرعاية أصبح هدفاً للهجوم.
ولم يكن الخبر مفاجئاً لمن يعرف واقع هايتي، فمنذ فبراير من العام الماضي، تصاعدت موجة العنف مع صعود تحالفات العصابات المسلحة التي باتت تسيطر على العاصمة بورت أو برنس "تقريباً بالكامل"، وفق تقارير الغارديان.
ويُشتبه التحالف المعروف باسم "فيف أنسانم" –أي “نعيش معاً”– الذي نشأ العام الماضي، في ضلوعه بعملية الخطف، حيث صنفته الولايات المتحدة منظمة إرهابية أجنبية هذا العام، وهي عصابات لم تعد مجموعات إجرامية عابرة، بل قوة سياسية وعسكرية تفرض منطقها على الحياة اليومية، وتجعل الخطف تجارة مربحة ورمزاً لفشل الدولة.
الأطفال في مرمى النار
وجود طفل في الثالثة ضمن الرهائن يكشف هشاشة الوضع، فالأطفال في هايتي ليسوا مجرد ضحايا غير مباشرين، إنهم أهداف مباشرة، الخطف لا يميّز بين مدير دار أيتام وطفل صغير.
وهنا تظهر الأزمة الحقوقية بوضوح: حق الطفل في الأمان يُنتهك بدم بارد، ودار الأيتام، بدل أن تكون مساحة حماية، تتحول إلى مسرح رعب.
ويعيش العاملون الإنسانيون في هايتي بين نيران متعددة: رغبتهم في خدمة الفئات الأضعف، وانعدام الأمن، وصعود العصابات، يمنحهم القانون الدولي حماية خاصة، لكن الواقع يقول إنهم يفتقدون حتى الحد الأدنى من الضمانات، ويفتح هذا الهجوم الباب لسؤال أكبر: ما مصير العمل الإنساني في بلد باتت فيه المخاطرة بالحياة جزءاً من الروتين اليومي؟
فشل الحماية الدولية
فشلت بعثة الشرطة المدعومة من الأمم المتحدة في وقف انتشار العصابات، وبلغ الوضع حداً جعل السلطات تلجأ إلى طائرات مسيّرة مسلحة وحتى مرتزقة أجانب لمحاولة استعادة السيطرة، ومع ذلك، الخطف مستمر.
أعلنت الولايات المتحدة أخيراً أنها تسعى لتفويض من مجلس الأمن لتشكيل "قوة قمع العصابات"، لكن لم يتضح بعد إن كانت ستختلف عن القوة المتعددة الجنسيات بقيادة كينيا، المنتشرة بالفعل، و هنا يظهر التناقض: المجتمع الدولي يُعلن الخطط، لكن على الأرض، ما زالت العصابات تتحكم بمصير الأطفال والعاملين الإنسانيين.
ولم تكن حادثة أغسطس الأولى، ففي عام 2021، اختطفت عصابة "400 ماووزو" سبعة عشر مبشراً، بينهم خمسة أطفال، من منظمة أمريكية، واحتُجز معظمهم لأكثر من 60 يوماً، تكرار المشهد يكشف أن الخطف في هايتي ليس استثناءً، إنه نمط ممنهج يعكس انهيار القانون، ويحوّل حياة الناس إلى رهينة في يد المسلحين.
انزلقت في دوامة عنف
يعكس ما حدث في دار الأيتام مأساة وطن كامل، هايتي، التي انزلقت في دوامة عنف منذ انتفاضة العصابات ضد الحكومة، أصبحت مسرحاً لحرب غير معلنة، الدولة غائبة، والعصابات تحكم، والمجتمع المدني يئن تحت وطأة الخوف، وفي هذا السياق، يصبح الإفراج عن الرهائن انتصاراً صغيراً في معركة كبرى لم تُحسم بعد: معركة استعادة حق الناس في الأمن والكرامة.
تعود جينا هيراتي إلى بيتها ويعود معها الأمل لأسرتها، ولأطفال كثر كانوا ينتظرونها، لكن خلف الأمل يظل الخوف قائماً، والإفراج عن رهائن لا يعني الإفراج عن بلد بأكمله من أسر العصابات، ما زالت العاصمة تحت رحمة السلاح، وما زال الخطف شبحاً يطارد الأطفال والنساء والعاملين الإنسانيين.