من القانون إلى السياسات العامة.. دعوات لاعتبار النوع الاجتماعي في مركز جهود حماية حقوق الإنسان
من القانون إلى السياسات العامة.. دعوات لاعتبار النوع الاجتماعي في مركز جهود حماية حقوق الإنسان
جدد خمسة وأربعون خبيرًا من آليات الخبراء المستقلين التابعة للأمم المتحدة دعوتهم لاعتماد منهج يضع النوع الاجتماعي في مركز جهود حماية حقوق الإنسان والمساواة.
جاء الإعلان في سياق تواتر أدلة عن تراجعٍ أو تباطؤ في التقدم المحقق في حقوق النساء والفئات الجنسية والجندرية المتنوعة، وعن موجات من التشريعات والإجراءات التي تقوّض الحماية والقدرة على التمتع بالحقوق الأساسية.
ويرى الخبراء أن منظور النوع الاجتماعي يوفّر فهماً أوسع لتقاطع العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تشكّل الهوية والفرص والمخاطر، وبالتالي يعدّ أداةً عملية لتعزيز سياسات أكثر إنصافاً وفق مفوضية حقوق الإنسان.
جذور الدعوة والوقائع الميدانية
تتقاطع الدعوة الأممية مع مؤشرات إحصائية وتقارير تفسيرية مقلقة، تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي يبيّن أن وتيرة إغلاق الفجوات قائمة ولكن ببطء شديد، وعلى هذا المنوال سيستغرق إغلاق الفجوة بين الجنسين أكثر من جيل كامل وربما أكثر من قرن وفق تقديرات التقرير، وهذا الواقع يُترجم في تفاوتات ملموسة في التمثيل السياسي والأجور والفرص الاقتصادية.
من جانب آخر، تحذر منظّمات الأمم المتحدة أن المكاسب المكتسبة على مدى عقود تواجه انتكاسات في أكثر من بلد، وأن مخاطر “الارتداد” تتصاعد في مجالات مثل العنف القائم على النوع الاجتماعي، والقيود على الصحة الجنسية والإنجابية، وحرمان الفتيات من الرياضة والتعليم، وقد أظهرت بيانات وكالة أممية حديثة ارتفاعاً في مخاوف الجمهور بشأن تعثر التقدم في المساواة، ما يعكس تآكلًا في ثقة المواطنين بأن التقدم سيستمر بوتيرة سريعة.
أحد أكثر الأدلة وضوحًا على فشل السياسات القائمة هو استمرار مستوى العنف ضد النساء والفتيات، وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن ما يقرب من ثلث النساء حول العالم يتعرضن لعنف بدني أو جنسي خلال حياتهن، ما يؤكد أن القوانين وحدها لا تكفي ما لم تُرافقها برامج استباقية لمعالجة الأعراف والسلوكيات الاجتماعية.
وفي سوق العمل لا تزال المرأة أقل مشاركة وأقل أجرًا، وفق بيانات منظمة العمل الدولية التي تُظهر فجوات هيكلية في المشاركة الاقتصادية تؤثر بشدة على القدرة الاقتصادية للنساء والأسر، وبحسب منظمة الصحة العالمية فإن اعتماد منظور النوع الاجتماعي يعني تصميم سياسات اقتصادية واجتماعية تراعي هذه الفجوات وتستهدفها بشكل مباشر.
ردود فعل حقوقية وأممية
حظيت دعوة الخبراء بترحيب واسع من منظمات حقوق الإنسان، حيث دعت منظمات كالعفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إلى دعم الصكوك والآليات الدولية التي تَحمي النساء والفئات الجنسية والجندرية المتنوعة.
وأشارت إلى أهمية تجديد ولايات الخبراء المستقلين، بما في ذلك ولاية الخبير المستقل المعني بالتمييز القائم على التوجه الجنسي والهوية الجندرية، التي جرى تجديدها مؤخراً، وهذه المواقف تؤكد أن العمل على المستوى الدولي يتجه نحو تكامل الحماية من التمييز مع سياسات اجتماعية واقتصادية واضحة.
وتستند الدعوة كذلك إلى التزامات دولية واضحة فالاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) تفرض على الدول اتخاذ تدابير فورية وفعّالة لإزالة العوائق القانونية والاجتماعية التي تحول دون تمتع النساء بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية، كما أن أهداف التنمية المستدامة، وعلى رأسها الهدف الخامس، تضع المساواة بين الجنسين محوراً لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية أوسع، ويضيف القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات العُمالية طبقات أخرى من الالتزامات، ما يجعل دمج منظور النوع الاجتماعي مسألة التزام قانوني إلى جانب كونه خياراً سياسياً.
سياسات قائمة على النوع الاجتماعي
اعتماد منظور النوع الاجتماعي لا يقتصر على نصوص رمزية، إنه يشمل إجراءات قابلة للقياس تتضمن تحليل الأثر المتقاطع قبل سنّ أي سياسة، ميزانيات حسّاسة للنوع الاجتماعي تضمن تمويلاً لبرامج رعاية الأطفال والبلوغات وسلع أساسية موجهة للفقراء من النساء، وتعزيز نظم الحماية الاجتماعية الداعمة للناجيات وتوفير خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، برامج عمل تُمكّن النساء اقتصادياً وتعمل على سد فجوات الأجور، وتدابير قانونية ضد التمييز وتطبيقات فعّالة للمساءلة، وتوضي تقارير الأمم المتحدة والجهات المتخصصة توصي بإدماج هذه الأدوات في السياسات الوطنية لتعزيز الأثر.
وتواجه مبادرات الدمج مقاومة سياسية واجتماعية من تيارات محافظة وخصوم يصورون التقدم في حقوق المرأة وحقوق المتحولين جنسياً تهديداً لقيم المجتمع، وهذه المقاومة تتغذى أحياناً بأجندات وطنية أو دينية وتترجم إلى تشريعات مقيدة أو حملات إعلامية ضد منظمات المجتمع المدني، لذلك تؤكد المنظمات أن العمل الحقوقي يجب أن يقترن باستراتيجية تواصل وعمليات بناء تحالفات محلية لتعزيز القبول الاجتماعي لسياسات المساواة.
توصيات عملية مستخلصة
تركز التوصيات العملية على تأسيس آليات وطنية لقياس الفجوات بين الجنسين (بيانات مفصلة حسب العمر والموقع والهوية الجنسية)؛ وإدماج منظور النوع ضمن ميزانيات الإنفاق العام؛ وحماية الحيز المدني لمنظمات حقوق المرأة والمجتمع المدني؛ بجانب تطبيق إجراءات لحماية الأشخاص الأكثر تهميشًا، بمن فيهم الأشخاص ذوو التوجهات الجنسية والهوية الجندرية المختلفة؛ وتعزيز الشراكات بين الأمم المتحدة والحكومات المحلية والمجتمع المدني لتحويل المبادئ إلى برامج قابلة للتنفيذ. وثائق أممية حديثة تدعم هذه الحزمة من الإجراءات باعتبارها ضرورية لبلوغ أهداف التنمية المستدامة.
النداء الذي طرحه 45 خبيراً ليس مجرد ورقة فكرية بل رد فعل على اختلالات ملموسة تؤثر في ملايين البشر، وجعل النوع الاجتماعي محورًا في السياسات العامة هو طريق لاختصار الزمن الذي تحتاجه الدول لاستعادة المسار نحو المساواة، وحماية الحقوق الأساسية، ومنع تفاقم الظواهر التمييزية والعنفية، وتعكس الدعوة تسارعاً في وعي الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بأن العدالة الجندرية ليست قضية فرعية، بل معيار يقاس به رهان دولنا على احترام حقوق الإنسان للجميع وفق مفوضية حقوق الإنسان الأممية.