أفغانستان تحت حكم طالبان.. التمييز ضد المرأة تحدٍّ إنساني أمام المجتمع الدولي

أفغانستان تحت حكم طالبان.. التمييز ضد المرأة تحدٍّ إنساني أمام المجتمع الدولي
أفغانيات أمام عنصر من حركة طالبان

في عالمٍ تتسارع فيه الدعوات للمساواة والعدالة، لا يزال التمييز على أساس النوع الاجتماعي يشكّل أحد أبرز التحديات الحقوقية والسياسية، وبرغم التقدم التشريعي والمؤسساتي الذي حققته الكثير من الدول عبر العقود الماضية، تكشف الوقائع في بلدان مثل أفغانستان عن استمرار فجوة واسعة بين النصوص القانونية الدولية والواقع الميداني، حيث تتعرض النساء لأشكال ممنهجة من الإقصاء والحرمان من الحقوق الأساسية.

وفقاً لمقال نشرته شاهرزاد أكبر المديرة التنفيذية لمنظمة "راواداري" لحقوق الإنسان في أفغانستان، ورئيسة اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان في أفغانستان السابقة على موقع "verfassungsblog" يوم الجمعة، يُعد التمييز ضد المرأة ظاهرة متجذرة تاريخياً، ارتبطت بالبنى الاجتماعية والدينية والسياسية في مجتمعات متعددة، ورغم إقرار اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة عام 1979، التي صادقت عليها 189 دولة، فإن التطبيق ظل متفاوتاً وغالباً ما اصطدم بعوامل محلية داخلية، مثل الأنظمة السياسية الاستبدادية أو القوى الدينية المتشددة، وفي الحالة الأفغانية، استغلت حركة طالبان هذه الفجوات لتبرير قيود قاسية على النساء منذ عودتها إلى الحكم في أغسطس 2021.

التمييز الممنهج في أفغانستان

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن طالبان أصدرت أكثر من 130 مرسوماً بحلول نهاية 2024، معظمها يستهدف النساء والفتيات بشكل مباشر، ومن أبرز تلك الإجراءات منع التعليم للفتيات اعتباراً من سن التاسعة، وحظر عمل النساء في منظمات الإغاثة والأمم المتحدة، إلى جانب فرض قيود صارمة على الحركة والملبس.

وتصف منظمات حقوقية هذا الوضع بأنه شكل من أشكال "الأبارتهايد الجنسي"، حيث يُبنى نظام كامل على التمييز الجندري، وبحسب تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن أكثر من 23 مليون امرأة وفتاة في أفغانستان يعشن اليوم تحت قيود تحد من وصولهن إلى التعليم والرعاية الصحية والعمل، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات الفقر والوفيات بين النساء والأطفال.

قصة نرجس، القابلة الأفغانية التي اضطرت إلى مغادرة بلادها بعد إغلاق الجامعات الطبية أمام النساء في ديسمبر 2024، تكشف حجم الخسائر البشرية والاجتماعية لهذه السياسات، فبخروجها من البلاد، فقدت أفغانستان خبيرة في مجال الصحة المجتمعية، وخسر آلاف النساء والرضع خدمات حيوية في المناطق النائية، ومثل هذه القصص لا تعكس فقط مآسي فردية، بل تؤشر إلى تراجع المنظومة الصحية والتعليمية بأكملها.

ردود فعل محلية ودولية

على الصعيد المحلي، لم تتوقف الناشطات الأفغانيات عن تنظيم الاحتجاجات والمبادرات الرمزية، رغم التهديدات والاعتقالات، أما دولياً، فقد أطلقت ألمانيا وأستراليا وكندا وهولندا في سبتمبر 2024 مبادرة قانونية لمساءلة طالبان عن انتهاكاتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ورحبت منظمات حقوقية مثل "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولية بهذه الخطوة، لكنها شددت على ضرورة إشراك النساء الأفغانيات بشكل فعال وآمن في العملية.

في يوليو 2025، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحق قياديين في طالبان، في خطوة وُصفت بالتاريخية، لكنها ما زالت بحاجة إلى دعم دولي واسع التنفيذ، كذلك، يطالب المجتمع المدني الأفغاني بإنشاء آلية دولية مستقلة لتوثيق الانتهاكات، لدعم أي دعاوى مستقبلية أمام المحاكم الدولية.

يُعد تصنيف التمييز على أساس النوع الاجتماعي كجريمة من بين المقترحات التي تتبناها منظمات المجتمع المدني والحقوقيين، ويؤكد خبراء قانونيون أن مشروع معاهدة جديدة لجرائم الإبادة قد يشمل الاعتراف بالتمييز الجنسي كجريمة قائمة بذاتها، وهو ما قد يغلق ثغرات قائمة في القانون الدولي.

لكن التطبيق العملي يواجه تحديات، أبرزها ضعف الإرادة السياسية لدى بعض الدول، والتناقض بين مواقفها الحقوقية وممارساتها، مثل استمرار عمليات ترحيل اللاجئين الأفغان من أوروبا رغم خطورة أوضاع النساء هناك.

الأبعاد الإنسانية والاقتصادية

يمتد أثر التمييز على أساس النوع الاجتماعي إلى ما يتجاوز الحقوق الفردية، ليشمل الاقتصاد والتنمية والاستقرار الاجتماعي، وفق تقرير البنك الدولي لعام 2023، يُقدَّر أن حرمان النساء من المشاركة الكاملة في سوق العمل يكلّف الاقتصاد العالمي نحو 6 تريليونات دولار سنوياً، وفي أفغانستان وحدها، تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن القيود المفروضة على النساء قد تخفض الناتج المحلي بنسبة تصل إلى 5% سنوياً، ما يعمق الأزمات الاقتصادية والإنسانية.

طالما شكّل التمييز ضد النساء محوراً للنقاش الدولي منذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، ومع اعتماد اتفاقية سيداو، كان يُعتقد أن الطريق نحو المساواة سيفتح على مصراعيه، إلا أن حالات مثل أفغانستان والسودان، أو حتى تحديات قائمة في دول متقدمة، أثبتت أن النصوص وحدها لا تكفي دون آليات تنفيذية قوية وضغط دولي متماسك.

الطريق إلى الأمام

تتفق تقارير أممية ومنظمات دولية على أن معالجة هذه الأزمة تتطلب مزيجاً من الأدوات القانونية والسياسية والإنسانية، ومن بين أبرز الخطوات: دعم مبادرات المساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، وتعزيز آليات رصد الانتهاكات وتوثيقها عبر لجان مستقلة، ووقف عمليات ترحيل اللاجئين إلى مناطق الخطر، بما يتماشى مع التزامات القانون الدولي، والاستثمار في مبادرات تمكين النساء، خاصة في مجالات التعليم والصحة والعمل.

التمييز على أساس النوع الاجتماعي ليس قضية تخص النساء وحدهن، بل هو قضية إنسانية شاملة ترتبط بالعدالة والتنمية والأمن العالمي، وما يجري في أفغانستان اليوم يشكل اختباراً للمجتمع الدولي: إما أن تُترجم النصوص القانونية والتعهدات السياسية إلى أفعال ملموسة، أو أن يستمر العالم في مواجهة فجوة خطيرة بين المبادئ والواقع، على حساب ملايين النساء والفتيات اللواتي يواجهن التهميش والحرمان يومياً.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية