ضغط الشارع.. الحريديم يواجهون التجنيد الإجباري بإغلاق الطرق والاحتجاج

ضغط الشارع.. الحريديم يواجهون التجنيد الإجباري بإغلاق الطرق والاحتجاج
جانب من الاحتجاجات التي يقودها يهود الحريديم

شهدت مدينة القدس، اليوم الأحد، تصعيدا جديدا في الاحتجاجات التي يقودها يهود الحريديم، بعدما أقدم متظاهرون منهم على إغلاق شارع رئيسي قرب أحد مكاتب التجنيد في خطوة تعكس عمق الأزمة المتصاعدة داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن إلزامهم بالخدمة العسكرية وما يحمله ذلك من أبعاد دينية وسياسية واجتماعية معقدة.

وبحسب ما أوردته صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية، تدخلت الشرطة الإسرائيلية لفض المظاهرة التي نظمتها فصائل حريدية أمام مكتب التجنيد في القدس، وأسفرت المواجهات عن اعتقال شخص واحد على الأقل، في ظل توتر متزايد بين المتظاهرين وقوات الأمن.

إغلاق الطرق واشتباكات مع الشرطة

وأشارت الصحيفة إلى أن المتظاهرين حاولوا إغلاق الطريق المؤدي إلى مدخل مكتب التجنيد، ما تسبب في شلل مروري بالمنطقة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى اشتباكات محدودة مع الشرطة التي استخدمت القوة لإبعاد المحتجين وفتح الطريق.

وتأتي هذه الاحتجاجات في سياق موجة متواصلة من الغضب داخل الأوساط الحريدية، التي ترفض بشكل قاطع قرار إلزام أبنائها بالالتحاق بالجيش، معتبرة أن ذلك يشكل اعتداء مباشرا على نمط حياتها الديني وخصوصيتها الثقافية.

قرار قضائي يشعل الأزمة

وتعود جذور التصعيد الحالي إلى قرار المحكمة العليا الإسرائيلية، أعلى هيئة قضائية في البلاد، الصادر في 25 يونيو 2024، الذي قضى بإلزام الحريديم بالخدمة العسكرية، ومنع تقديم أي مساعدات مالية للمؤسسات الدينية التي يرفض طلابها التجنيد.

وشكّل هذا القرار نقطة تحول مفصلية، إذ أنهى فعليا نظاما استمر لعقود سمح لآلاف الشبان الحريديم بتأجيل الخدمة العسكرية بشكل متكرر بدعوى التفرغ لدراسة التوراة في المعاهد الدينية حتى بلوغهم سن الإعفاء الذي يبلغ حاليا 26 عاما.

نسبة مؤثرة وصراع هوية

ويشكل اليهود الحريديم نحو 13% من سكان إسرائيل، الذين يقدر عددهم بنحو 10 ملايين نسمة، ما يجعلهم كتلة ديموغرافية مؤثرة ومتنامية بفعل معدلات الإنجاب المرتفعة داخل هذا المجتمع.

ويرفض الحريديم الخدمة العسكرية انطلاقا من قناعات دينية راسخة، إذ يؤكدون أن تكريس حياتهم لدراسة التوراة لا يقل أهمية عن الخدمة في الجيش، بل يرونه واجبا دينيا يضمن بقاء الشعب اليهودي وهويته الروحية، كما يعتبرون أن الاندماج في المجتمع العلماني، الذي يفرضه التجنيد العسكري، يشكل تهديدا مباشرا لقيمهم الدينية ونمط حياتهم المغلق نسبيا.

انقسام داخلي وضغط سياسي

وأعاد قرار المحكمة العليا فتح نقاش داخلي حاد داخل إسرائيل حول مبدأ المساواة في تقاسم أعباء الخدمة العسكرية، خاصة في ظل الحرب المستمرة والضغوط المتزايدة على الجيش الإسرائيلي لتجنيد مزيد من الأفراد.

وتطالب قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، لا سيما العلمانيين، بإنهاء ما يصفونه بالتمييز التاريخي لصالح الحريديم، معتبرين أن إعفاءهم من الخدمة العسكرية لم يعد مقبولا في ظل التحديات الأمنية الراهنة.

في المقابل، ترى القيادات الحريدية أن القرار القضائي يمثل استهدافا مباشرا لمجتمعها، وتؤكد أن فرض التجنيد بالقوة سيؤدي إلى صدامات أوسع ويعمق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي.

اتهامات لنتنياهو ومناورات تشريعية

وفي خضم هذه الأزمة، تتهم أحزاب المعارضة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمحاولة الالتفاف على قرار المحكمة، من خلال السعي لإقرار قانون جديد يعفي الحريديم من التجنيد، استجابة لمطالب حزبي شاس ويهدوت هتوراه.

وكان الحزبان قد انسحبا من الحكومة في العام السابق احتجاجا على تعثر تمرير تشريع يعفي أتباعهما من الخدمة العسكرية، غير أن تقارير سياسية تشير إلى استعدادهما للعودة إلى الائتلاف الحكومي فور إقرار قانون يلبي مطالبهما.

وتضع هذه المناورات نتنياهو في موقف بالغ الحساسية، إذ يواجه ضغوطا متناقضة بين الحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي، واحترام قرارات المحكمة العليا، وتهدئة غضب الشارع العلماني الذي يطالب بالمساواة في الواجبات الوطنية.

الاحتجاج كوسيلة ضغط

ويؤكد مراقبون أن احتجاجات الحريديم، بما في ذلك إغلاق الطرق وتعطيل الحياة العامة، تمثل أداة ضغط سياسية بقدر ما هي تعبير عن رفض ديني، في محاولة لفرض معادلة جديدة على الحكومة والكنيست، لافتين أن استمرار هذه الاحتجاجات قد يؤدي إلى تصعيد أكبر، خاصة إذا شرعت السلطات فعليا في تنفيذ قرارات التجنيد أو فرض عقوبات مالية على المؤسسات الدينية، وهو ما قد يشعل مواجهات أوسع بين الحريديم وقوات الأمن.

يعود إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية إلى السنوات الأولى لقيام دولة إسرائيل، حين تم التوصل إلى تفاهم غير مكتوب يقضي بالسماح لعدد محدود من طلاب المعاهد الدينية بالتفرغ لدراسة التوراة، باعتبار ذلك ضرورة للحفاظ على التراث الديني بعد المحرقة، ومع مرور الوقت، توسع هذا الإعفاء ليشمل عشرات الآلاف، ما أثار انتقادات متزايدة داخل المجتمع الإسرائيلي، وفي ظل التغيرات الديموغرافية، وارتفاع نسبة الحريديم، وتصاعد التحديات الأمنية، بات هذا الملف أحد أكثر القضايا حساسية وانقساما في إسرائيل، ويعكس الصدام الحالي بين الحريديم والدولة صراعا أعمق حول هوية إسرائيل وطبيعة علاقتها بالدين، وحدود سلطة القانون في مجتمع تتنازع فيه القيم الدينية والعلمانية على رسم مستقبل الدولة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية