الأطفال في قلب الخطر.. أزمة صحية تتفاقم غرب السودان جراء تفشي الحصبة

الأطفال في قلب الخطر.. أزمة صحية تتفاقم غرب السودان جراء تفشي الحصبة
مرضى الحصبة في السودان

سجلت ولايتا جنوب وغرب دارفور في غرب السودان تصاعداً مقلقاً في حالات الإصابة بمرض الحصبة، في مشهد يعكس عمق الأزمة الصحية والإنسانية التي تعصف بالإقليم، وسط استمرار الحرب وتعقيدات الوصول الإنساني، ما يضع آلاف المدنيين، خصوصاً الأطفال، أمام مخاطر صحية جسيمة تهدد حياتهم.

ووفقاً لما أوردته وكالة أنباء الأناضول، اليوم الأربعاء، نقلاً عن شبكة أطباء السودان، فقد جرى تسجيل أكثر من 3000 إصابة بمرض الحصبة خلال 3 أشهر فقط في ولايتي جنوب وغرب دارفور، في مؤشر خطر على تفشي الوباء واتساع نطاقه في واحدة من أكثر مناطق البلاد هشاشة من الناحية الصحية.

وأكدت الشبكة الطبية غير الحكومية في بيانها أن هذه الأرقام تنذر بتدهور خطر في الأوضاع الصحية، محذرة من انتشار متسارع للأوبئة في إقليم دارفور الذي يعاني أصلاً من ضعف البنية التحتية الطبية ونقص الكوادر والمستلزمات الأساسية، مشيرة إلى أن تفشي الحصبة بهذه الوتيرة يعكس خللاً عميقاً في منظومة الوقاية الصحية، ولا سيما برامج التحصين.

بحسب شبكة أطباء السودان، فإن الفئات الأكثر تضرراً من تفشي الحصبة هم الأطفال الذين حرموا من اللقاحات الأساسية نتيجة تعطل حملات التطعيم الروتينية والطارئة، وأوضحت الشبكة أن غياب التحصين جعل الأطفال أكثر عرضة للإصابة، ما يهدد بمضاعفات خطرة قد تؤدي إلى الوفاة في ظل محدودية الخدمات العلاجية.

قيود تعرقل وصول اللقاحات

وأرجعت الشبكة هذا الوضع الصحي المتدهور إلى تعذر وصول اللقاحات والأدوية والمستلزمات الطبية، نتيجة القيود والتعقيدات التي تفرضها الحرب الدائرة في البلاد.

وعدّت هذه القيود تشكل معوقاً أساسياً أمام نقل الإمدادات الطبية إلى مختلف المناطق، ما أدى إلى تعطيل برامج التحصين وأسهم بشكل مباشر في ارتفاع معدلات الإصابة.

وحملت شبكة أطباء السودان القوات المتحاربة المسؤولية الكاملة عن تعريض حياة المدنيين للخطر، خاصة الأطفال، نتيجة منع أو تقييد وصول الخدمات الصحية، وشددت على أن استخدام القيود الصحية وسيلة ضغط أو حصار يمثل انتهاكاً صريحاً للحقوق الإنسانية الأساسية.

وفي ظل هذا الوضع المتدهور طالبت الشبكة بفتح مسارات إنسانية عاجلة، وضمان وصول آمن وغير مشروط للكوادر الطبية والفرق الإنسانية، ما يتيح تنفيذ حملات تطعيم فورية وفعالة للحد من انتشار الوباء في دارفور وفي عموم السودان، كما دعت إلى إزالة جميع المعوقات التي تحول دون إيصال اللقاحات والأدوية إلى المناطق المتضررة.

وناشدت شبكة أطباء السودان المجتمع الدولي والمنظمات الأممية والإنسانية التدخل العاجل وتكثيف الجهود لاحتواء تفشي الحصبة، وتوفير اللقاحات والدعم الطبي اللازم لحماية المدنيين، وأكدت أن الحق في الصحة حق إنساني أصيل، ولا يجوز تحت أي ظرف استخدامه أداة حصار أو ابتزاز.

تحذيرات من تفشي الوباء

لم يكن هذا التحذير الأول من نوعه، إذ سبق لمنظمة أطباء بلا حدود أن دقت ناقوس الخطر في 26 ديسمبر، محذرة من تفشي مرض الحصبة في دارفور، بعد تسجيل أكثر من 1300 حالة منذ سبتمبر 2025. وأشارت المنظمة حينها إلى غياب حملات تطعيم عاجلة وفعالة، ما ينذر بتفاقم الوضع الصحي بشكل أكبر إذا لم يتم التدخل السريع.

وتأتي هذه الأزمة الصحية في وقت تعاني فيه البلاد أزمة إنسانية حادة جراء الحرب التي تعقد من مهمة إيصال المساعدات الإنسانية وتزيد من معاناة السكان.

ويشهد السودان منذ أبريل 2023 حرباً دامية أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص، وتشريد نحو 13 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم حالياً.

وأدت الحرب المستمرة إلى انهيار شبه كامل للنظام الصحي في العديد من المناطق، خاصة في دارفور، حيث دمرت مرافق طبية، ونزح أطباء وممرضون، وتوقفت سلاسل الإمداد الدوائي، ومع تفشي الأوبئة، باتت المستشفيات والمراكز الصحية القليلة العاملة عاجزة عن الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان.

مخاوف من تفشي الوباء

يحذر عاملون في القطاع الصحي من أن استمرار تفشي الحصبة دون تدخل عاجل قد يؤدي إلى انتقال الوباء إلى ولايات أخرى، في ظل حركة النزوح الواسعة وغياب الرقابة الصحية، ويؤكدون أن السيطرة على المرض تتطلب استجابة سريعة تشمل التطعيم الجماعي، وتحسين خدمات الرصد والعلاج.

يعد إقليم دارفور من أكبر أقاليم السودان، إذ يشكل نحو خُمس مساحة البلاد البالغة أكثر من 1800000 كيلومتر مربع، ويعاني منذ سنوات طويلة من النزاعات المسلحة والتهميش وضعف الخدمات الأساسية، ويبلغ عدد سكان السودان نحو 50 مليون نسمة، يتركز معظمهم في مناطق سيطرة الجيش، في حين تواجه مناطق النزاع، وعلى رأسها دارفور، أوضاعاً إنسانية وصحية شديدة القسوة.

ومع استمرار الحرب وتعطل برامج التطعيم، تتحول الأمراض التي يمكن الوقاية منها، مثل الحصبة، إلى تهديد واسع النطاق، يفاقم معاناة المدنيين ويضع مستقبل جيل كامل من الأطفال على المحك، في انتظار تحرك عاجل ينقذ ما يمكن إنقاذه.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية