نساء العراق يواصلن معركة الحقوق وسط تحديات اجتماعية وقانونية معقدة
نساء العراق يواصلن معركة الحقوق وسط تحديات اجتماعية وقانونية معقدة
على مدى السنوات الأخيرة، تصدر ملف حقوق الإنسان وحقوق النساء دائرة الاهتمام محليا ودوليا، خاصة في الدول التي لا تزال تواجه تحديات قانونية واجتماعية عميقة، وفي العراق، ما زالت النساء يخضن معركة يومية من أجل الأمان والكرامة والتمثيل العادل، في ظل واقع تتداخل فيه القوانين غير المفعلة مع الأعراف الاجتماعية والضغوط الاقتصادية والسياسية، لتبقى الفجوة واسعة بين ما هو مكتوب في النصوص القانونية وما يُمارس فعليا على الأرض.
في هذا السياق، نقلت وكالة “أنباء المرأة”، اليوم الخميس، تصريحات لمديرة أكاديمية المرأة القيادية في العراق بسمة محمد، التي سلطت الضوء على جوهر الإشكالية المرتبطة بحقوق الإنسان عموما وحقوق النساء على وجه الخصوص، مؤكدة أن هذه الحقوق ليست ترفا فكريا أو شعارا سياسيا، بل أساساً لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق الاستقرار من دونه.
ترى بسمة محمد، أن حقوق الإنسان تمثل الركيزة الأساسية التي تتيح للفرد العيش بسلام وكرامة داخل مجتمعه، ولهذا تبذل المنظمات المحلية والدولية جهودا مستمرة لحماية هذه الحقوق وصونها، إلا أن الواقع، بحسب قولها، يكشف عن استمرار الانتهاكات بشكل يومي، ليس في إقليم كردستان وحده، بل في مختلف أنحاء العراق والمنطقة، حيث تتكرر حوادث العنف ضد النساء، وجرائم القتل، وحرمانهن من حقوقهن الأساسية، إلى جانب ضعف حضور المرأة في مواقع صنع القرار.
وتشير إلى أن وجود النساء في بعض مواقع السلطة لا يعني بالضرورة امتلاكهن القدرة الحقيقية على ممارسة حقوقهن داخل مؤسسات الدولة، إذ غالبا ما يبقى دورهن شكليا، دون تأثير فعلي في السياسات أو القرارات التي تمس قضايا المرأة بشكل مباشر.
طريق طويل رغم الإنجازات
تؤكد بسمة محمد أن النساء في العراق لم يتمكن بعد من انتزاع كامل حقوقهن، رغم أن جزءا مهما من العمل قد تحقق خلال السنوات الماضية، وتوضح أن ما أُنجز لا يمكن التقليل من شأنه، لكنه في الوقت ذاته لا يرقى إلى مستوى الطموح، ولا يلبي حجم التحديات القائمة، ما يجعل الطريق نحو العدالة والمساواة طويلا ويتطلب جهدا متواصلا.
وترى أن النضال من أجل الحقوق ضرورة لا يمكن تجاوزها، خاصة في ظل وجود قوانين جيدة من حيث الصياغة، لكنها تظل غير مفعلة بالشكل المطلوب، وتعتبر أن هذه الفجوة بين القانون والتطبيق تمثل إحدى أكبر العقبات أمام تقدم قضايا المرأة، داعية النساء إلى معرفة القوانين الغائبة أو المعطلة من أجل توجيه نضالهن نحو تفعيلها.
وتوضح بسمة محمد أن تحقيق الحقوق لا يمكن أن يعتمد على وعي النساء وحده، بل يحتاج إلى تنسيق جاد بين السلطات التنفيذية والتشريعية والمنظمات المدنية، وتشدد على أن الإرادة السياسية تمثل عاملا حاسما في هذا المسار، فبدون قرار سياسي حقيقي يضع قضايا النساء ضمن أولويات الدولة، ستبقى الجهود متفرقة ومحدودة الأثر.
وترى أن دور المنظمات لا يقل أهمية عن دور الدولة، لكنها تؤكد أن عمل هذه المنظمات يجب أن يكون أكثر فاعلية وتأثيرا، وأن يترجم على أرض الواقع من خلال حماية ملموسة للحقوق وليس عبر أنشطة شكلية أو مؤقتة.
أزمة ثقة وتحديات مالية
تلفت مديرة أكاديمية المرأة القيادية إلى أن المنظمات النسوية تواجه تحديات متعددة، من أبرزها تراجع الدعم المالي خلال السنوات الأخيرة، سواء في إقليم كردستان أو عموم العراق أو حتى على المستوى العالمي، نتيجة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وهذا التراجع انعكس بشكل مباشر على قدرة المنظمات على تنفيذ برامجها واستمرار نشاطاتها.
إلى جانب التحديات المالية، تبرز أزمة الثقة بين المجتمع والمنظمات، حيث لا يزال جزء كبير من المجتمع يشكك في جدوى عمل هذه الجهات أو يشكك في نواياها، ما يحد من تأثيرها ويقلل من مساحة تحركها، وتؤكد بسمة محمد أن هذا الواقع يفرض جهدا مضاعفا لإثبات المصداقية وبناء جسور الثقة مع المجتمع.
وتؤمن بسمة محمد أن أي تغيير حقيقي في واقع حقوق النساء لا يمكن أن يتحقق دون تغيير جذري في طريقة التفكير السائدة، وتعتبر أن العقل هو نقطة الانطلاق لأي تحول اجتماعي، مستشهدة بما تعرضت له نساء في البصرة ومناطق أخرى ليلة رأس السنة، حيث جرى توجيه اللوم إلى الضحايا بدلا من إدانة المعتدين، في مشهد يعكس استمرار ثقافة لوم الضحية.
وترى أن هذا النمط من التفكير يكشف عمق المشكلة، ويؤكد أن المعركة ليست قانونية فقط، بل فكرية وثقافية في المقام الأول. وتصف العمل الفكري بأنه الأصعب، لأنه عملية تربوية طويلة تبدأ من داخل الأسرة، ثم تمتد إلى المدرسة والمؤسسات التعليمية.
التعليم وحقوق الإنسان
تشير بسمة محمد إلى أن تدريس حقوق الإنسان ما زال يتم بشكل محدود وغير منهجي في كثير من المدارس، وغالبا ما يُسند إلى غير المختصين، ما يضعف قدرة الطلاب على فهم هذه القيم واستيعابها، وتؤكد أن غياب البيانات الدقيقة يجعل من الصعب تقييم نجاح أو فشل هذه التجربة، لكن الملاحظة العامة تشير إلى أن حقوق الإنسان لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه مقارنة بمواد أخرى.
وترى أن حقوق الإنسان لا تقل أهمية عن العلوم والرياضيات، بل تشكل أساسا لبناء شخصية متوازنة وقادرة على احترام الآخر، داعية إلى إعادة النظر في المناهج التعليمية وإعطاء هذا الملف أولوية حقيقية.
وتولي بسمة محمد أهمية خاصة لدور الإعلام، معتبرة أنه سلاح ذو حدين في قضايا حقوق الإنسان، وتشير إلى أن بعض التغطيات الإعلامية اليومية تكشف نقصا واضحا في المعرفة الأساسية بحقوق النساء والطفل، ما يؤدي أحيانا إلى أخطاء جسيمة قد تتسبب في أضرار اجتماعية وأسرية.
وتضرب مثالاً بخطاب التمييز القائم على النوع الاجتماعي، مثل الإشارة إلى حوادث السير بعبارة السائقة امرأة، وكأن الخطأ مرتبط بالجنس لا بالسلوك الفردي، وتؤكد أن هذا الخطاب يعكس ذهنية تحتاج إلى تصحيح عميق.
وتدعو إلى تدريب الإعلاميين بشكل متخصص على قضايا حقوق الإنسان، واستخدام لغة مهنية دقيقة تحترم كرامة الإنسان، وتنقل الخبر في سياقه الصحيح دون تحريض أو تشويه.
يأتي هذا النقاش في وقت يشهد فيه العراق تحولات اجتماعية وسياسية معقدة، حيث تتقاطع مطالب الإصلاح مع تحديات الأمن والاقتصاد وبناء الدولة، ورغم انضمام العراق إلى عدد من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والمرأة، لا يزال التطبيق العملي يواجه عقبات كبيرة، تتعلق بضعف المؤسسات، وتأثير الأعراف الاجتماعية، وتذبذب الإرادة السياسية، وبينما تواصل النساء ومنظمات المجتمع المدني نضالهن اليومي، يبقى الرهان الأكبر على تغيير الوعي المجتمعي وترسيخ ثقافة الحقوق بوصفها أساسا لا غنى عنه لبناء مستقبل أكثر عدلا وإنسانية.











