مع تصاعد الاحتجاجات.. ولي عهد إيران السابق يدعو للسيطرة لإضراب شامل
مع تصاعد الاحتجاجات.. ولي عهد إيران السابق يدعو للسيطرة لإضراب شامل
دخل المشهد الإيراني مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية في عدد واسع من المدن، عقب دعوة مباشرة أطلقها ولي عهد إيران السابق رضا بهلوي للنزول إلى الشوارع وبدء إضراب عام شامل، في تحرك يعكس تحولا نوعيا في مسار الحراك المعارض ويضع النظام أمام تحديات غير مسبوقة منذ سنوات.
ووفق ما أوردته شبكة "إيران إنترناشيونال" السبت، وجّه رضا بهلوي رسالة مصورة مساء الجمعة إلى الشعب الإيراني، دعا فيها إلى تنظيم إضراب عام شامل، والنزول إلى الشوارع عند الساعة 6 مساء يومي السبت والأحد، في استجابة للاحتجاجات الواسعة التي شهدتها مدن مختلفة خلال الأيام الماضية.
وفي رسالته، خاطب بهلوي الشعب الإيراني، مؤكدا أن المرحلة الحالية تتطلب تصعيدا منظما وسلميا، يقوم على شل مفاصل الحياة العامة عبر الإضراب، وتحويل الحراك الشعبي إلى قوة ضاغطة قادرة على فرض التغيير، كما وجه نداء مباشرا إلى الشباب المنضوين فيما سماه الحرس الخالد لإيران، وإلى عناصر من القوات المسلحة والأمنية الذين انضموا إلى منصة التعاون الوطني، مطالبا إياهم بإبطاء آلة القمع وتعطيلها من الداخل.
وختم بهلوي رسالته بالتأكيد على أن الهدف في المرحلة المقبلة هو الاستعداد للسيطرة على مراكز المدن والحفاظ عليها، في إشارة واضحة إلى انتقال الحراك من الاحتجاج الرمزي إلى محاولة فرض واقع ميداني جديد.
استنفار داخل هرم السلطة
في موازاة ذلك، كشفت صحيفة التلغراف البريطانية، نقلا عن مسؤول رفيع في النظام الإيراني، أن المرشد علي خامنئي أوكل مصيره بالكامل إلى الحرس الثوري، وأصدر أوامر برفع مستوى الجاهزية إلى درجة تفوق ما كان عليه الوضع خلال حرب الـ12 يوما، وأشار التقرير إلى أن خامنئي بات يعد الحرس الثوري الضمانة الأساسية لبقاء النظام، في ظل مخاوفه من احتمالات الانشقاق داخل مؤسسات أخرى.
وأوضح المسؤول أن علاقة المرشد بالحرس الثوري أوثق من علاقته بالجيش أو الشرطة، نظرا لقناعته بأن احتمال الانقسام داخل الحرس شبه معدوم، في حين شهدت مؤسسات أخرى حالات تململ أو انشقاق في مراحل سابقة.
مسؤول آخر في الجمهورية الإيرانية قال للصحيفة إن خامنئي لن يغادر طهران مهما بلغت التهديدات، حتى لو حلقت قاذفات B52 فوق العاصمة، في إشارة إلى تمسك القيادة بالبقاء في الداخل وعدم التفكير في أي سيناريو للفرار أو الانسحاب.
وأضاف أن مدن الصواريخ التابعة للحرس الثوري، والتي بقيت سليمة خلال حرب 12 يوما، باتت في حالة تأهب كامل، مؤكدا أن الظروف هذه المرة مختلفة تماما، وأن النظام يتعامل مع الوضع بوصفه تهديدا وجوديا.
ووصفت التلغراف إحساس التهديد داخل هرم السلطة بأنه غير مسبوق، مشيرة إلى أن القلق الرئيسي للنظام لا يقتصر على الاحتجاجات الشعبية، بل يمتد إلى ما وصفه أحد المسؤولين بتهديدات دونالد ترامب، وأضاف المصدر أن ما جرى في فنزويلا شكل عاملا مشجعا للمحتجين في إيران، حيث باتوا يؤمنون للمرة الأولى بإمكانية حدوث تغيير كبير.
خامنئي يتهم المحتجين
في المقابل، عاد المرشد الإيراني علي خامنئي لوصف المتظاهرين بالمخربين وعملاء الخارج، مؤكدا استمرار سياسة القمع، وقال في خطاب يوم الجمعة إن إيران لن تتراجع أمام من وصفهم بمثيري الفوضى، واتهم المحتجين بالارتباط بدونالد ترامب والعمل وفق رغباته.
وأضاف أن مجموعة من الأشخاص عديمي الخبرة يتقبلون خطاب الرئيس الأمريكي ويشعلون الشوارع لإرضائه، في محاولة لنزع الشرعية عن الحراك الشعبي المتصاعد.
وبالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات، أقدم النظام الإيراني على قطع الإنترنت وشبكات الاتصالات بشكل شبه كامل في مختلف أنحاء البلاد، ما أدى إلى شلل واسع في الإعلام والتواصل بين المواطنين، وجاء هذا الإجراء بعد نزول ملايين الإيرانيين إلى الشوارع مساء الخميس 8 يناير استجابة لدعوة بهلوي.
وأفادت تقارير المواطنين بأن الاتصالات عبر الهواتف المحمولة والرسائل النصية تعطلت بالكامل، كما توقفت خدمات الإنترنت الثابت والمحمول، ولم تعد المواقع الحكومية ووسائل الإعلام المحلية متاحة، وسبق هذا الانقطاع محاولات جزئية خلال 11 يوما لتعطيل الشبكة على مستويات محلية.
ردود فعل دولية
في رد فعل سريع، كتب الحساب الفارسي لوزارة الخارجية الأمريكية على منصة إكس أن النظام قطع الإنترنت بالكامل لإسكات صوت الشعب الإيراني، مؤكدا أن الإرادة لا يمكن إيقافها كما يتم إيقاف الشبكات. وأضاف أن العالم لا يزال يرى الإيرانيين ويسمعهم.
وأثار قطع الإنترنت حالة قلق شديدة داخل المجتمع الإيراني وفي أوساط الجاليات في الخارج، وكتب لاعب المنتخب الإيراني لتنس الطاولة نيما عالميان في خاصية ستوري على إنستغرام يوم الجمعة 19 يناير مع بدء اليوم 13 من الحراك الوطني ادعوا لإيران.
وقال مواطنون إن الهواتف الأرضية فقط بقيت تعمل، في حين توقفت خدمات النقل الإلكتروني والبنوك والدفع الرقمي، وكتب أحدهم أن قطع الإنترنت أسوأ من الحرب التي استمرت 12 يوما، في حين عبّر آخرون عن خوفهم الشديد على عائلاتهم مع كل ساعة انقطاع.
تجربة دامية في الذاكرة
يعيد هذا الانقطاع إلى الأذهان أحداث نوفمبر 2019، حين قطعت السلطات الإنترنت لمدة أسبوع خلال الاحتجاجات على رفع أسعار البنزين، وفي تلك الفترة، وثقت وكالة رويترز في 2 نوفمبر 2019 مقتل نحو 1500 شخص في 190 مدينة، في واحدة من أعنف موجات القمع في تاريخ إيران الحديث.
يشهد الداخل الإيراني منذ سنوات حالة احتقان متصاعدة نتيجة الأوضاع الاقتصادية الخانقة وتقييد الحريات السياسية والاجتماعية، وتفاقمت هذه الأوضاع منذ اندلاع موجات احتجاج متكررة كان أبرزها في نوفمبر 2019 وسبتمبر 2022، ويعد قطع الإنترنت أثناء الاحتجاجات انتهاكا واضحا لحقوق الإنسان، إذ تنص المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق الأفراد في البحث عن المعلومات ونقلها بأي وسيلة، وهو ما يشمل الإنترنت في العصر الحديث.
وأكد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن الحقوق المكفولة في العالم الواقعي يجب أن تحترم أيضا في الفضاء الرقمي، ومع تصاعد الدعوات للإضراب العام والسيطرة على مراكز المدن، يقف النظام الإيراني اليوم أمام اختبار بالغ الخطورة، في حين يترقب العالم مسار واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الجمهورية الإيرانية.











