بين القضاء والسياسة.. ائتلاف نتنياهو يسعى لإلغاء تهم الفساد بمقترحات تشريعية
بين القضاء والسياسة.. ائتلاف نتنياهو يسعى لإلغاء تهم الفساد بمقترحات تشريعية
تشهد الساحة السياسية في إسرائيل تصعيداً جديداً بعد أن قدمت أحزاب الائتلاف الحكومي مشروع قانون إلى الكنيست يهدف إلى إلغاء جريمتي الاحتيال وإساءة الأمانة من قانون العقوبات، في خطوة من شأنها أن تؤثر بشكل مباشر في محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الجارية منذ سنوات، وأثارت المبادرة ردود فعل غاضبة من المعارضة التي اعتبرتها محاولة سافرة للالتفاف على القضاء وتقويض أسس النظام الديمقراطي.
وبحسب ما أوردته صحيفة هآرتس وهيئة البث الرسمية الإسرائيلية في تقارير نشرت الاثنين، فإن مشروع القانون تقدم به نواب من أحزاب اليمين ضمن الائتلاف الحاكم، ويستهدف بشكل مباشر التهم المركزية الموجهة إلى نتنياهو في جميع قضاياه الجنائية.
ويأتي هذا التحرك في توقيت بالغ الحساسية، إذ مثل نتنياهو الاثنين للمرة 69 أمام المحكمة المركزية في تل أبيب للرد على تهم الفساد، في واحدة من أطول وأعقد المحاكمات في تاريخ إسرائيل السياسي.
تفاصيل المبادرة ومبرراتها
يهدف مشروع القانون إلى إلغاء بندي الاحتيال وإساءة الأمانة من قانون العقوبات الإسرائيلي، وهما من التهم الرئيسية التي يواجهها نتنياهو في القضايا الثلاث المنظورة ضده.
وتشير التقديرات القانونية إلى أن إقرار هذا القانون قد يؤدي إلى إسقاط جزء كبير من لائحة الاتهام، وربما إنهاء المحاكمة أو إضعافها بشكل جوهري، ومن المقرر أن تبحث اللجنة الوزارية لشؤون التشريع هذه المبادرة خلال الأسبوع المقبل، ما ينذر بمواجهة سياسية وقانونية مفتوحة.
قال مقدمو المشروع، وفي مقدمتهم رئيس لجنة الدستور البرلمانية سيمحا روتمان من حزب الصهيونية الدينية، ورئيس الائتلاف أوفير كاتس من حزب الليكود، إن جريمتي الاحتيال وإساءة الأمانة تتسمان بالغموض، وتستخدمان من قبل أجهزة تطبيق القانون لتوسيع نفوذها وتجريم سلوكيات لا يعرفها القانون الجنائي بشكل دقيق، واعتبروا أن إلغاء هذين البندين يشكل إصلاحاً قانونياً ضرورياً يحد مما وصفوه بتسييس القضاء.
غضب المعارضة وتحذيراتها
في المقابل شن زعيم المعارضة يائير لابيد ورئيس حزب هناك مستقبل هجوماً حاداً على المشروع، معتبراً أنه ليس إصلاحاً قانونياً بل انقلاب شامل على أسس الدولة.
وقال لابيد إن حزبه سيقف سداً منيعاً أمام هذه المحاولة، وسيناضل ضدها في الكنيست والشوارع والمحاكم، محذراً من أن تمرير القانون سيحول إسرائيل إلى دولة فاسدة وغير ديمقراطية، وأضاف أن ما يجري يمثل انحداراً خطيراً نحو نموذج دول فاشلة، حيث يتم تفصيل القوانين على قياس السلطة الحاكمة.
تأتي هذه الخطوة في ظل انقسام داخلي متواصل داخل إسرائيل، لا يقتصر على الائتلاف والمعارضة فحسب، بل يمتد إلى الشارع والمؤسسات القانونية.
ويتزامن الجدل حول مشروع القانون مع نقاش محتدم بشأن طلب العفو الذي تقدم به نتنياهو إلى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في 30 نوفمبر الماضي، في محاولة لإنهاء ملفاته القضائية دون الإقرار بالذنب أو اعتزال الحياة السياسية.
العفو المعلق وشروطه
ينص القانون الإسرائيلي على أن منح العفو الرئاسي يتطلب إقرار المتهم بالذنب، وهو ما يرفضه نتنياهو حتى الآن، ويؤكد مقربون منه أن التهم الموجهة إليه ذات دوافع سياسية، وأنه يتعرض لما يصفه بحملة منظمة لإقصائه عن الحكم، وفي المقابل، يرى معارضوه أن رفضه الإقرار بالذنب يعكس إدراكه لخطورة الاعتراف، ويكشف في الوقت نفسه إصراره على البقاء في السلطة بأي ثمن.
ويرى مراقبون أن مشروع القانون الجديد يضع الجهاز القضائي الإسرائيلي أمام أحد أخطر التحديات في تاريخه، إذ ينقل الصراع من قاعات المحاكم إلى ساحة التشريع، ويثير تساؤلات جوهرية حول استقلال القضاء والفصل بين السلطات، ويحذر قانونيون من أن إلغاء جرائم قائمة منذ عقود قد يفتح الباب أمام إساءة استخدام السلطة، ويقوض ثقة الجمهور في منظومة العدالة.
يواجه بنيامين نتنياهو ثلاث قضايا جنائية تعرف إعلامياً بالملفات 1000 و2000 و4000، وفي الملف 1000، يتهم بالحصول على هدايا ثمينة له ولأفراد من عائلته من رجال أعمال مقابل تقديم تسهيلات ومساعدات، أما الملف 2000، فيتعلق باتهامه بالتفاوض مع ناشر صحيفة يديعوت أحرونوت للحصول على تغطية إعلامية إيجابية، في حين يتمحور الملف 4000 حول اتهامه بتقديم تسهيلات تنظيمية لشركة اتصالات مقابل تغطية داعمة في موقع إخباري.
تداعيات دولية تزيد الضغوط
لا تقتصر الضغوط التي يواجهها نتنياهو على الداخل الإسرائيلي، إذ أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر 2024 مذكرة اعتقال بحقه، على خلفية اتهامه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الحرب التي شنتها إسرائيل بدعم أمريكي منذ 8 أكتوبر 2023، والتي أسفرت عن سقوط أكثر من 71 ألف شهيد فلسطيني وأكثر من 171 ألف جريح، معظمهم من النساء والأطفال.
بدأت محاكمة بنيامين نتنياهو عام 2020، لتكون الأولى من نوعها لرئيس وزراء إسرائيلي في المنصب يواجه اتهامات جنائية بهذا الحجم، ومنذ ذلك الحين، تحولت القضية إلى محور انقسام حاد داخل المجتمع الإسرائيلي، بين من يرون فيها دليلاً على قوة القضاء وقدرته على محاسبة أعلى المسؤولين، ومن يعدونها استهدافاً سياسياً لزعيم منتخب، ومع عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة بدعم ائتلاف يميني متشدد، تصاعدت المخاوف من تسييس التشريع واستخدام الأغلبية البرلمانية لإعادة رسم قواعد اللعبة القانونية، ويأتي مشروع القانون الأخير في سياق أوسع من محاولات تعديل النظام القضائي، ما يجعل الصراع الدائر اليوم اختباراً حاسماً لمستقبل الديمقراطية وسيادة القانون في إسرائيل.










