وسط انهيار المرافق الصحية.. نافخ الإطارات يتحول إلى مضخة للأكسجين بغزة
وسط انهيار المرافق الصحية.. نافخ الإطارات يتحول إلى مضخة للأكسجين بغزة
في مشهد يلخص قسوة الحصار وانهيار المنظومة الصحية في قطاع غزة، اضطر الفلسطيني سامح أبو سعدة، إلى استخدام مضخة يدوية لنفخ إطارات الدراجات الهوائية لتزويد والدته المسنّة بالهواء، في محاولة يائسة للإبقاء عليها على قيد الحياة بعد انقطاع الأكسجين الطبي.
يستعدّ أبو سعدة (34 عاماً) يومياً، مع حلول المساء، لتجهيز المضخة التي باتت “خط الدفاع الأخير” عن حياة والدته المصابة بأمراض مزمنة، والتي ترقد على فراش رقيق داخل خيمة مهترئة نُصبت فوق مقطورة جرار زراعي في منطقة المواصي غرب خان يونس، حيث لا يقي القماش البالي من برد الشتاء ولا من الخوف الدائم، بحسب ما ذكرت وكالة "الأناضول"، اليوم الاثنين.
يقول سامح إن هذا الحل البدائي لم يكن خياراً، بل اضطرار قاسٍ فرضه النقص الحاد في المستلزمات الطبية، مؤكداً أن مستشفيات القطاع لم تعد قادرة على توفير الأكسجين اللازم للمرضى، في ظل الدمار الواسع الذي طال المرافق الصحية.
منظومة صحية منهارة
تعرضت المنظومة الصحية في غزة، خلال عامين من الحرب، لاستهداف ممنهج شمل المستشفيات والمراكز الطبية ومحطات توليد الأكسجين ومخازن الأدوية، ما قوض قدرتها على أداء أبسط وظائفها، وحوّل الحق في العلاج إلى امتياز نادر.
وترافق هذا الاستهداف مع حصار مشدد وقيود صارمة على إدخال الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية، ما دفع المستشفيات إلى تقليص خدماتها إلى الحد الأدنى المنقذ للحياة فقط.
ووفق وزارة الصحة في غزة، بلغت نسبة العجز في الأدوية 52 بالمئة، في حين وصلت في المستهلكات الطبية إلى 71 بالمئة، وهي أرقام تعكس كارثة صحية مكتملة الأركان.
كان المرضى الذين يحتاجون إلى الأكسجين قبل الحرب يحصلون على أسطوانات طبية بسهولة داخل منازلهم، لكن تدمير نحو عشر محطات مركزية لتوليد الأكسجين، بحسب معطيات رسمية، خلق فجوة قاتلة لا تزال تتسع.
مواجهة الموت البطيء
يلجأ أبو سعدة إلى مضخة الإطارات بعد إدخال تعديلات بدائية عليها، مدركاً مخاطرها، لكنه يؤكد أنها “الحل الوحيد” المتاح. ويضيف أن أقرب مستشفى يبعد مسافة طويلة، وأن كلفة الوصول إليه تتجاوز قدرته المادية، في ظل شح الوقود ووسائل النقل.
ويحذر الأطباء، بحسب ما نقل له، من الأضرار المحتملة لهذا الأسلوب، إذ قد يكون الهواء ملوثاً أو مشبعاً بزيوت وغازات خطرة، لكنهم يعترفون في الوقت ذاته بعدم وجود بديل حقيقي، في معادلة قاسية تُخيّر العائلات بين الخطر والموت.
وتعيش غزة، رغم سريان وقف إطلاق النار منذ أكتوبر 2025، أزمة إنسانية متفاقمة، نتيجة تنصل إسرائيل من التزاماتها المتعلقة بفتح المعابر وإدخال المساعدات.
وتشير وزارة الصحة إلى أن الشاحنات الطبية التي تدخل القطاع لا تتجاوز 30 بالمئة من الاحتياج الشهري.
ويجسد مشهد سامح ووالدته انتهاكاً واضحاً للحق في الصحة والحياة، ويعيد طرح سؤال أخلاقي وحقوقي جوهري.. كيف يمكن لعالم يدّعي حماية حقوق الإنسان أن يقبل بأن يتحول نفخ الإطارات إلى بديل عن الأكسجين لإنقاذ الأرواح؟










