"لسنا للبيع".. غرينلاند بين أطماع القوى الكبرى وحق السكان الأصليين في تقرير المصير
"لسنا للبيع".. غرينلاند بين أطماع القوى الكبرى وحق السكان الأصليين في تقرير المصير
تنشغل الحرفية مايا أوفيرغارد التى تعمل في ورشة صغيرة في العاصمة الغرينلاندية نوك، مثل كثيرين من أبناء شعب الإنويت، ليس فقط بإعداد أحذية تقليدية لمواجهة العواصف الثلجية، بل بالخوف من عاصفة سياسية تهدد مستقبل غرينلاند وحق سكانها في البقاء على أرضهم وهويتهم، وفق ما نقلته صحيفة "فايننشيال تايمز".
تعكس كلمات أوفيرغارد، حين قالت إنها تناقش مع زوجها احتمال الفرار إلى الدنمارك إذا استولت الولايات المتحدة على الجزيرة، شعورًا عامًا بالتهديد المباشر، حيث أكدت بوضوح: "لا أريد العيش في إمبراطورية أمريكية"، في تعبير صريح عن رفض تحويل الإقليم إلى امتداد قسري لقوة كبرى، وهو رفض يتكرر على ألسنة جيرانها الذين يعملون في دباغة الجلود وصناعة الأدوات التقليدية.
ويحذّر مارتن راسموسن، أحد سكان نوك، من جدية التهديدات الأمريكية، قائلًا إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "جاد" وإنه "سيقاتل حتى النهاية"، مشيرًا إلى أنه بدأ بمقاطعة البضائع الأمريكية، في موقف احتجاجي يعكس تحوّل القلق الشعبي إلى سلوك يومي مقاوم.
يوضح هذا القلق حقيقة أن فكرة سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند، الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي التابع للدنمارك، والذي يقطنه نحو 57 ألف نسمة، غالبيتهم من شعب الإنويت الأصلي، كانت تُعد حتى وقت قريب ضربًا من الخيال الجيوسياسي، غير أن إصرار دونالد ترامب المتكرر على "شراء" الجزيرة، ورفضه استبعاد استخدام القوة العسكرية للاستيلاء عليها، حوّل هذا السيناريو إلى تهديد ملموس.
يبرر الرئيس الأمريكي اهتمامه بغرينلاند باعتبارات الأمن القومي، معتبرًا أن الجزيرة، التي تضم قاعدة عسكرية أمريكية صغيرة لكنها ذات أهمية استراتيجية، تمثل أولوية قصوى، وادّعى أن الدنمارك فشلت في الدفاع عنها، وأن مياهها تشهد وجود سفن وغواصات روسية وصينية، وهي مزاعم رفضها سكان غرينلاند ومسؤولون في دول الشمال الأوروبي واعتبروها بلا أساس.
ينفي الصياد هيلتي يوهانسن الذي أمضى قرابة 40 عامًا في الإبحار على طول سواحل غرينلاند، هذه الادعاءات، مؤكدًا أنه "لم يرَ أي روس أو صينيين قط"، ومضيفًا: "لا أعتقد أن ترامب يعرف شيئًا عن غرينلاند"، ويعكس هذا النفي فجوة واضحة بين الخطاب الأمني الأمريكي وتجربة السكان اليومية.
يُبرز هذا التناقض بعدًا حقوقيًا أساسيًا، يتمثل في حق السكان الأصليين في ألا تُستخدم أرضهم ذريعة لصراعات دولية تُفرض عليهم من الخارج، دون اعتبار لإرادتهم أو رؤيتهم لمستقبلهم.
حق تقرير المصير
يتصاعد القلق الرسمي في نوك وكوبنهاغن مع استمرار التصعيد الأمريكي، وأشارت "فايننشيال تايمز" إلى أن محادثات مقررة مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تهدف إلى تهدئة التوتر، في وقت اضطر فيه روبيو إلى التقليل من احتمال الغزو العسكري خلال حديثه أمام الكونغرس، مكتفيًا بالإشارة إلى أولوية "شراء" الجزيرة.
وتؤكد رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، في تدخل غير مسبوق، أن أي هجوم أمريكي على غرينلاند سيعني "نهاية حلف الناتو"، وهو موقف يعكس خطورة المساس بمبدأ السيادة وبتوازنات الأمن الجماعي.
وينتقد النائب الغرينلاندي ووزير الخارجية السابق بير بيرتيلسن، الطريقة التي يُنظر بها إلى غرينلاند، قائلًا: “إنهم يعاملوننا كما لو كنا بضاعة في متجر”، وأضاف: "أجد صعوبة في فهم الفرق بين طريقة تعامل الأمريكيين مع غرينلاند وروسيا، حيث يتضح جليًا أن الهدف هو توسيع رقعة الأراضي"، وأكد: "لسنا للبيع.. لا نريد أن نكون أمريكيين، بل نريد أن نكون غرينلانديين".
ومن جانبها، توضح صحيفة "الغارديان" هذا الموقف بشكل أكثر صراحة، حيث أكدت حكومة غرينلاند أنها "لا تقبل تحت أي ظرف من الظروف" سيطرة الولايات المتحدة على الجزيرة، مشددة على تمسكها بعضويتها في حلف شمال الأطلسي عبر الدنمارك، وعلى أن الدفاع عن غرينلاند يجب أن يتم ضمن الأطر الجماعية القائمة، لا عبر فرض الأمر الواقع.
وتنقل الصحيفة عن وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت ووزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن، عزمهما لقاء ماركو روبيو في واشنطن، في محاولة لاحتواء الأزمة دبلوماسيًا، في حين تؤكد الدنمارك أن اتفاقية عام 1951 تتيح بالفعل توسيع الوجود العسكري الأمريكي دون المساس بالسيادة.
وتشدد على أن الائتلاف الحاكم في الإقليم يؤمن بأن غرينلاند ستظل جزءًا من منظومة الدفاع الغربي، وأن لجميع دول الناتو، ومنها الولايات المتحدة، مصلحة مشتركة في الدفاع عنها، دون أن يمنح ذلك أي طرف حق السيطرة أو الضم.
ذاكرة الاستعمار
يستحضر كثير من سكان غرينلاند تاريخهم مع الحكم الدنماركي بوصفه جرحًا مفتوحًا، فبحسب "فايننشيال تايمز"، يشمل هذا التاريخ انتهاكات جسيمة بحق شعب الإنويت، منها التهجير القسري وإجبار آلاف الشابات على استخدام وسائل منع الحمل دون موافقتهن، فضلًا عن التمييز الذي يواجهه الغرينلانديون في الدنمارك.
يعبر زعيم حزب المعارضة الرئيسي بيل بروبرغ عن موقف أكثر تشددًا، معتبرًا أن الدنمارك والولايات المتحدة "وجهان لعملة واحدة"، وأن كوبنهاغن تستغل الخوف من السيطرة الأمريكية لتشويه فكرة الاستقلال، وشبّه سيطرة الدنمارك على الجزيرة بالاغتصاب، قائلًا: "نحن نعيش كابوسًا، ولا يمكننا أن نقلق بشأن الكابوس التالي".
وتوضح "الغارديان" أن خمسة أحزاب سياسية في برلمان غرينلاند أصدرت بيانًا مشتركًا، أكدت فيه أن السكان "لا يريدون أن يكونوا أمريكيين ولا دنماركيين، بل غرينلانديين"، وأنه لا يحق لأي دولة أخرى التدخل في تقرير مستقبل الجزيرة.
تستند هذه المواقف إلى دعم شعبي واسع، إذ أظهرت استطلاعات رأي، أن 85% من سكان غرينلاند يرفضون الانضمام إلى الولايات المتحدة، في مقابل معارضة 78% من الدنماركيين لبيع الجزيرة.
تربط الخياطة التقليدية صوفي أموندسن بين هذا الرفض وتجارب الإنويت في ألاسكا وكندا، حيث قالت إنهم "مُنعوا من التحدث بلغتهم الأم"، مؤكدة: "ما زلنا نتعافى من الاستعمار الدنماركي.. لدي شعور سيئ منذ العام الماضي، عندما قال إنه يريد ضمنا".
الموقف الأوروبي
ترصد صحيفة "واشنطن بوست" تحوّل الموقف الأوروبي من سياسة الاسترضاء إلى رسم "خط أحمر" واضح في مواجهة أطماع إدارة ترامب تجاه غرينلاند.
ونقلت عن قادة أوروبيين تأكيدهم أن مستقبل الجزيرة شأن يخص "الدنمارك وغرينلاند فقط"، وأن أي عمل أمريكي أحادي سيقوض النظام الدولي القائم على القانون.
وتنقل الصحيفة عن رئيسة الوزراء الدنماركية تأكيدها أن أي تحرك أمريكي في غرينلاند سيمثل نهاية حلف الناتو، وهو موقف أيده قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا وبريطانيا في بيان مشترك.
وتحلل الصحيفة الأمريكية أن مجرد احتمال ضم قسري يكشف هشاشة التحالفات الغربية إذا ما تعارضت مع منطق القوة، مشيرة إلى أن القانون الدنماركي يعترف بأن شعب غرينلاند له الحق في تقرير مصيره، ما يمنع أي نقل للسيادة دون موافقة واضحة عبر عملية قانونية وانتخابية منفصلة.
تخلص التغطيات مجتمعة إلى أن أزمة غرينلاند لم تعد مسألة جغرافيا أو أمن فحسب، بل اختبار حاسم لاحترام حق الشعوب الأصلية في تقرير مصيرها، وحمايتها من إعادة إنتاج أنماط الهيمنة والاستعمار تحت مسميات جديدة.










