بين العدالة وحقوق الإنسان.. قضية المتحولات جنسياً تشعل صراعاً دستورياً في الولايات المتحدة
بين العدالة وحقوق الإنسان.. قضية المتحولات جنسياً تشعل صراعاً دستورياً في الولايات المتحدة
تدخل الولايات المتحدة فصلاً جديداً من الجدل المحتدم حول حقوق المتحولون جنسياً، مع شروع المحكمة العليا الأمريكية، ذات الغالبية المحافظة، يوم الثلاثاء في مناقشة قضية بالغة الحساسية تتعلق بحق الفتيات والنساء المتحولات جنسياً في المشاركة في المسابقات الرياضية المدرسية والجامعية المخصصة للنساء.
وتعد هذه القضية من أكثر الملفات القانونية إثارة للانقسام المجتمعي والسياسي في البلاد، لما تحمله من أبعاد دستورية وإنسانية واجتماعية متشابكة.
وبحسب ما أوردته وكالة فرانس برس الثلاثاء، فإن القضية المعروضة أمام المحكمة العليا تمثل ذروة صراع قانوني امتد لسنوات بين ولايات محافظة أقرت قوانين تحظر مشاركة النساء المتحولات جنسياً في الرياضات النسائية، وبين رياضيات ومنظمات حقوقية تؤكد أن هذه القوانين تشكل تمييزاً صريحاً وانتهاكاً لمبدأ المساواة الذي يكفله الدستور الأمريكي.
ترامب والمتحولين جنسياً
أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ملف حقوق المتحولين جنسياً إلى صدارة المشهد السياسي، بعدما جعله محورا أساسيا في حملته الانتخابية لعام 2024، متعهدا بإنهاء ما وصفه بجنون المتحولين جنسيا، ومع عودته إلى البيت الأبيض، سارع ترامب إلى ترجمة خطابه الانتخابي إلى قرارات تنفيذية أعادت تشكيل السياسة الفيدرالية في هذا الملف الحساس.
في يوم تنصيبه، وقّع ترامب أمراً تنفيذياً ينص على أن إدارته ستعترف من الآن فصاعداً بجنسين فقط هما الذكر والأنثى كما يحددان عند الولادة، ولم تمضِ أسابيع حتى أصدر أمراً تنفيذياً آخر يمنح الوكالات الفيدرالية صلاحية خفض التمويل عن المدارس والجامعات التي تسمح للرياضيين المتحولين جنسياً بالمشاركة في البطولات المخصصة للنساء.
قوانين تحت المجهر
تنظر المحكمة العليا، المكونة من 9 قضاة، في دستورية القوانين التي أقرتها ولايتا أيداهو وفرجينيا الغربية، وهما ولايتان محافظتان وتحظران مشاركة النساء المتحولات جنسياً في المسابقات الرياضية النسائية، وتعد هاتان الولايتان جزءاً من أكثر من نصف الولايات الأمريكية التي سنت تشريعات مشابهة خلال السنوات الأخيرة.
في ولاية أيداهو التي كانت سباقة في إقرار هذا النوع من القوانين، طعنت الطالبة المتحولة جنسياً ليندسي هيكوكس، وهي طالبة في جامعة ولاية بويزي، في قرار استبعادها من المنافسات الرياضية، واعتبرت هيكوكس أن القانون يحرمها من حقها في المشاركة على أساس هويتها الجندرية، وليس على أساس أدائها الرياضي.
حصلت هيكوكس على حكم لصالحها من محكمة استئناف فيدرالية، رأت أن قانون أيداهو ينتهك بند الحماية المتساوية الوارد في التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي، والذي يضمن معاملة جميع المواطنين على قدم المساواة أمام القانون.
وفي قضية مشابهة في ولاية فرجينيا الغربية، خلصت محكمة استئناف فيدرالية أخرى إلى أن قاصرة متحولة جنسياً تعرضت للتمييز على أساس الجنس، وهو أمر محظور بموجب القوانين الأمريكية الخاصة بالحقوق المدنية والتعليم.
هذه الأحكام منحت أملاً للرياضيات المتحولات جنسياً، لكنها في الوقت ذاته دفعت الولايات المحافظة وإدارة ترامب إلى اللجوء إلى المحكمة العليا، أملاً في الحصول على حكم نهائي يعيد الاعتبار لهذه القوانين ويمنحها الشرعية الدستورية.
منطق العدالة والسلامة
تدعم إدارة ترامب بقوة قوانين الحظر، وتصفها بأنها سياسات منطقية للغاية تهدف إلى حماية العدالة والسلامة في الرياضة النسائية، وتؤكد ولايتا أيداهو وفرجينيا الغربية أن السماح للنساء المتحولات جنسياً بالمشاركة في منافسات النساء يخلق اختلالاً في تكافؤ الفرص.
في مذكراتها المقدمة إلى المحكمة، جادلت ولاية أيداهو بأن الرجال في المتوسط أسرع وأقوى وأطول قامة وأكثر عضلية من النساء، معتبرة أن النساء المتحولات جنسياً يحتفظن بميزات فسيولوجية غير عادلة، حتى بعد الانتقال الجندري، واستندت الولاية إلى ما وصفته بالمنطق السليم لتبرير قوانينها.
من جانبها، أعربت ولاية فرجينيا الغربية عن قلقها من خسارة النساء والفتيات أماكنهن في الفرق الرياضية ومنصات التتويج، إضافة إلى ما قالت إنه ارتفاع خطر الإصابات نتيجة منافسة النساء المتحولات جنسياً.
صوت المتحولات جنسياً
في المقابل، تطالب الرياضيات المتحولات جنسياً المعنيات المحكمة العليا بإعلان هذه القوانين غير دستورية وتمييزية، ويؤكد محامو ليندسي هيكوكس أن إقرار مثل هذه القوانين يفتح الباب أمام تصعيد التمييز الحكومي ضد فئة تعاني أصلاً من التهميش والوصم الاجتماعي.
وحذر فريق الدفاع من أن افتراض دستورية القوانين التي تميز ضد الأمريكيين المتحولين جنسياً سيشكل سابقة خطيرة، قد تمتد آثارها إلى مجالات أخرى كالتعليم والعمل والرعاية الصحية.
لا يمكن فصل هذه القضية عن الجدل الواسع الذي أثارته السباحة ليا توماس، طالبة جامعة بنسلفانيا، والتي أصبحت عام 2022 رمزاً للنقاش الوطني حول مشاركة المتحولين جنسياً في الرياضة النسائية، فقد شاركت توماس في منافسات السباحة الجامعية للسيدات بعد أن كانت سابقاً ضمن فريق الرجال.
وأثار فوزها بعدة سباقات انتقادات حادة من بعض زميلاتها ومن رياضيات ومدربين، قالوا إن مشاركتها تمنحها ميزة فسيولوجية غير عادلة، وفي نهاية المطاف، وافقت جامعة بنسلفانيا على حظر مشاركة الرياضيين المتحولين جنسياً في فرقها النسائية، وذلك لتسوية دعوى اتحادية تتعلق بالحقوق المدنية.
وجاء هذا القرار بعد تحقيق أجراه مكتب الحقوق المدنية في وزارة التعليم، خلص إلى أن الجامعة انتهكت البند التاسع من قانون التعليم العالي بالسماح لتوماس بالمشاركة في منافسات السيدات.
محكمة محافظة وقرارات
يتفوق القضاة المحافظون على الليبراليين داخل المحكمة العليا بنسبة 6 إلى 3، وهو ميزان قوى انعكس في قرارات بارزة صدرت خلال العام الماضي، فقد أيدت المحكمة قانون ولاية تينيسي الذي يحظر العلاج الطبي لتأكيد الهوية الجنسية للقاصرين المتحولين جنسياً، كما دعمت قرار ترامب بتسريح الجنود المتحولين جنسياً من الجيش.
هذه السوابق تثير مخاوف المدافعين عن حقوق المتحولين جنسياً من أن تميل المحكمة إلى دعم قوانين الحظر، ما قد يشكل ضربة قاسية لمسار المطالبة بالمساواة.
ومن المتوقع أن يصدر قرار المحكمة العليا بنهاية دورتها السنوية في أواخر يونيو أو أوائل يوليو، وسيكون لهذا القرار تأثير واسع لا يقتصر على الرياضة فقط، بل يمتد إلى النقاش الأمريكي الأوسع حول الهوية الجندرية وحدود تدخل الدولة في تنظيمها.
ويرى مراقبون أن الحكم المرتقب سيحدد ملامح العلاقة بين الحقوق الفردية ومفهوم العدالة الجماعية في الرياضة، وسيشكل مرجعية قانونية لعشرات القضايا المشابهة في أنحاء الولايات المتحدة.
شهدت الولايات المتحدة خلال العقد الأخير تصاعداً ملحوظاً في النقاش حول حقوق المتحولين جنسياً، خاصة في مجالات التعليم والرياضة والرعاية الصحية، ومع تزايد عدد الولايات التي سنت قوانين تقيد مشاركة المتحولات جنسياً في الرياضة النسائية، تحول الملف إلى ساحة صراع قانوني وسياسي تعكس الانقسام العميق في المجتمع الأمريكي، وفي ظل محكمة عليا ذات توجه محافظ، يترقب المدافعون عن حقوق الإنسان قراراً قد يعيد رسم حدود المساواة الدستورية، في حين ترى الولايات المحافظة أن ما تسميه حماية الرياضة النسائية بات أولوية لا تقبل التنازل.










