"هل أنت ميت؟".. تطبيق يحول الخوف من الموت إلى خدمة مدفوعة في الصين

من العزلة إلى الإشعار الرقمي

"هل أنت ميت؟".. تطبيق يحول الخوف من الموت إلى خدمة مدفوعة في الصين
تطبيق هل أنت ميت؟

كشف تصدّر تطبيق "هل أنت ميت؟" قائمة التطبيقات المدفوعة الأكثر تحميلًا من متجر "أبل" في الصين عن تحوّل عميق في علاقة الأفراد بالحق في الأمان والعيش الكريم، في ظل تغيّرات ديمغرافية متسارعة دفعت شرائح متزايدة من السكان -شبابًا وكبارًا- إلى العيش بمفردهم، بعيدًا عن شبكات الدعم الأسري والمجتمعي التقليدية، وفق ما نشرته صحيفة "فايننشيال تايمز".

يفرض التطبيق، المعروف باللغة الصينية باسم "سيلي مي" ويُعرض عالميًا باسم "ديمومو"، على مستخدميه إجراءً بسيطًا لكنه كاشف: الضغط على زر "تسجيل الوصول" لإثبات أنهم ما زالوا على قيد الحياة، وفي حال عدم قيام المستخدم بذلك ليومين متتاليين، يُرسل التطبيق رسالة تلقائية إلى جهة اتصال طوارئ يحددها المستخدم مسبقًا، في محاولة لمنع سيناريو الموت في العزلة دون علم أحد.

يعكس الانتشار الواسع للتطبيق واقعًا ديمغرافيًا مقلقًا، حيث يختار عدد متزايد من الشباب الصيني العيش بمفردهم بدل الزواج وتكوين أسرة، في حين يُترك عدد متزايد من كبار السن معزولين في منازلهم، دون وجود أقارب بالقرب منهم لرعايتهم أو الاطمئنان عليهم، وفق المصدر نفسه.

ويشرح أستاذ علم السكان الاجتماعي في جامعة سنغافورة الوطنية وي-جون جين يونغ أن الحاجة إلى مثل هذه التطبيقات باتت ملحّة في ظل تراجع معدلات الخصوبة، وارتفاع متوسط العمر المتوقع، وانخفاض معدلات الزواج، واستمرار ارتفاع معدلات الطلاق، وهي عوامل قال إنها تسهم مجتمعة في ازدياد ظاهرة الأسر المكوّنة من شخص واحد، واصفًا ذلك بأنه "مصدر قلق حقيقي".

يسجّل الواقع السكاني الصيني مؤشرات مقلقة بالأرقام، إذ سجّلت الصين عام 2024 انخفاضًا في عدد سكانها للعام الثالث على التوالي، بعدما فقدت في عام 2023 لقب أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان لصالح الهند، وفي السياق نفسه، ارتفعت نسبة الأسر المكوّنة من شخص واحد إلى 19.5% عام 2024، مقارنة بـ 7.8% قبل عقدين من الزمن، وفق بيانات المكتب الوطني للإحصاء الصيني.

العزلة خطر اجتماعي

يترك هذا التحول الديمغرافي أثره الأشد في كبار السن، حيث يعيش عدد متزايد منهم بمفردهم، في حين يتناقص عدد الشباب القادرين على رعايتهم، ولا سيما في المناطق الريفية التي شهدت هجرة واسعة للشباب في سن العمل إلى المدن، وفق ما وثقته فايننشيال تايمز.

يؤكد أحد الشباب الثلاثة الذين شاركوا في ابتكار التطبيق، والذي عرّف عن نفسه باسم ليو فقط، أن الفئة المستهدفة الأساسية هم الشباب الذين يعيشون بمفردهم في المدن الكبرى، وخصوصًا الشابات في نحو الخامسة والعشرين من العمر، موضحًا أن كثيرين منهم يعانون شعورًا قويًا بالوحدة نتيجة قلة التواصل الاجتماعي، فضلًا عن خوفهم من وقوع أحداث غير متوقعة دون علم أحد، بحسب "فايننشيال تايمز".

ويربط الباحث في معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا الاجتماعية، بياو شيانغ، بين انتشار التطبيق والتحولات النفسية لجيل كامل من الشباب الصيني، موضحًا أن هذا الجيل نشأ على الاعتقاد بأن العمل الجاد يقود حتمًا إلى النجاح، غير أن تباطؤ الاقتصاد وتضاؤل فرص العمل أدّيا إلى تآكل هذه القناعة.

 ويصف شيانغ تسجيل الشباب في التطبيق بأنه تعبير عن "تشاؤم خفي"، شبيه بصيحات اجتماعية أخرى انتشرت بين الشباب مثل "تانغ بينغ" (الاستلقاء على الأرض) و"بيلان" (دعها تتعفن)، معتبرًا أن تحميل التطبيق يمكن النظر إليه بوصفه نوعاً من "الفن التركيبي الجماعي" الذي يعبّر عن الحيرة والقلق.

ويرى معلقون محليون، وفق الصحيفة نفسها، أن التطبيق قد يكون أكثر فائدة لكبار السن، رغم إقرارهم بأن كبار السن جدًا في المناطق الريفية النائية قد يجدون صعوبة في استخدامه بسبب الفجوة الرقمية.

من الخوف إلى السوق

من جانبها، توضح "الإيكونوميست تايمز" أن التطبيق تصدّر قائمة التطبيقات المدفوعة في الصين مع بداية عام 2026، مستهدفًا الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم في المدن الكبرى، ومخاطبًا مخاوفهم المباشرة من الموت دون أن يلاحظهم أحد، في ظل تغيّر أنماط الحياة في البلاد.

وتشير الصحيفة إلى أن التطبيق صُمّم ليكون "رفيق أمان" بسيطاً، حيث يطلب من المستخدمين تسجيل الوصول بانتظام، ويرسل تنبيهات إلى جهة اتصال الطوارئ في حال عدم الاستجابة، وهو ما يسلّط الضوء على مخاوف العزلة والوفيات غير الملحوظة، وفق تقرير نقله موقع "ديكسيرتو".

وتلفت "الإيكونوميست تايمز" إلى التوقعات بارتفاع عدد الأسر المكوّنة من شخص واحد في الصين بحلول عام 2030، يفسر السرعة اللافتة في انتشار التطبيق الذي أُطلق في مايو 2025.

تنقل الصحيفة ردود فعل مستخدمين عبّروا علنًا على وسائل التواصل الاجتماعي عن مخاوف وجودية عميقة، حيث كتب أحدهم: "هناك خوف من أن يموت الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم دون أن يلاحظهم أحد.. أتساءل أحيانًا، لو متُّ وحيدًا، من سيستلم جثماني؟"، في حين رأى آخرون أن التطبيق قد يساعد الانطوائيين ومرضى الاكتئاب ومن يمرون بظروف صعبة.

الخوف من الموت والوحدة

ينقل التقرير شهادة عامل يبلغ من العمر 38 عامًا في بكين، ويلسون هو، قال لهيئة الإذاعة البريطانية إنه يخشى أن يموت وحيدًا في مسكنه المستأجر دون أن يعلم أحد، موضحًا أنه عيّن والدته لتكون جهة اتصال للطوارئ؛ ليس بحثًا عن الراحة بل عن الاطمئنان.

ويثير اسم التطبيق جدلًا واسعًا، إذ تساءل معلقون، وفق "فايننشيال تايمز" و"الإيكونوميست تايمز"، عن استخدام كلمة "الموت" في اسمه الصيني، معتبرين إياها قاسية نفسيًا، خصوصًا لكبار السن.

ويقترح كاتب العمود القومي هو شيجين تغيير الاسم إلى "هل أنت على قيد الحياة؟" لما يوفره من راحة نفسية كبرى، في المقابل، دافع مطور التطبيق ليو عن الاسم الحالي، مؤكدًا أنه لم يكن المقصود منه الإساءة، بل تذكير المستخدمين بأهمية تقدير الحاضر.

يكشف ذلك كيف تحوّل الخوف من العزلة والموت غير الملحوظ إلى خدمة رقمية مدفوعة، يبلغ سعرها 8 يوانات صينية، أي نحو 1.15 دولار أمريكي، طوّرها ثلاثة مؤسسين وُلدوا بعد عام 1995 بتكلفة قُدرت بنحو 1000 يوان.
وبتعبير آخر، كيف أصبح إثبات البقاء على قيد الحياة إجراءً رقميًا دوريًا، في مجتمع تتراجع فيه شبكات الحماية الاجتماعية، ويُترك فيه الأفراد -شبابًا وكبارًا- لمواجهة العزلة بوصفها خطرًا يوميًا.

 




ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية