تشديدات متزايدة.. طالبان تصادر الهواتف الذكية من عناصرها في بكتيـا
تشديدات متزايدة.. طالبان تصادر الهواتف الذكية من عناصرها في بكتيـا
بدأت قيادة شرطة حركة طالبان في ولاية بكتيـا شرقي أفغانستان بتنفيذ قرار يقضي بجمع الهواتف الذكية من عناصرها المنتشرة في نقاط التفتيش والوحدات العسكرية، في خطوة تعكس تشديداً متزايداً من قيادة الحركة على استخدام التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة داخل صفوفها.
وبحسب ما أفادت به مصادر محلية وأكدته تقارير إعلامية نقلتها شبكة "أفغانستان إنترناشيونال" الأربعاء، جاء هذا الإجراء بأمر مباشر من زعيم طالبان هبة الله آخندزاده الذي أصدر توجيهات واضحة بضرورة مصادرة الهواتف الذكية من العناصر الأمنية في الولاية، مع التشديد على التنفيذ الكامل للتعليمات دون استثناء.
إجراء أمني أم قرار أيديولوجي
أعلنت قيادة شرطة طالبان في بكتيـا أن عملية جمع الهواتف الذكية شملت العناصر المنتشرة في نقاط التفتيش والمقار العسكرية، مؤكدة أن القرار يندرج ضمن إطار تعزيز التدابير الأمنية ورفع مستوى الجاهزية والانتباه لدى العناصر أثناء أداء مهامهم اليومية.
وأضافت القيادة أن الهدف من هذه الخطوة هو تقليل ما وصفته بالتحديات الأمنية المحتملة، ومنع أي اختراقات قد تنجم عن استخدام الهواتف الذكية، سواء عبر التصوير أو تسريب المعلومات أو التواصل غير المنضبط.
تشديد على الالتزام بأوامر الزعيم
شدد مسؤولو شرطة طالبان في بكتيـا على ضرورة الالتزام الصارم بأوامر هبة الله آخندزاده، مؤكدين أن القرار ليس اختيارياً، بل يأتي ضمن سلسلة من التعليمات الملزمة التي تهدف إلى ضبط السلوك الأمني والتنظيمي داخل مؤسسات الحركة.
ويعكس هذا التشديد طبيعة القيادة المركزية الصارمة التي يتبعها زعيم حركة طالبان، والتي تقوم على فرض الانضباط الكامل ومنع أي هامش لاجتهادات فردية، خاصة فيما يتعلق باستخدام وسائل الاتصال الحديثة.
موقف عدائي من الهواتف الذكية
لم يكن هذا القرار معزولاً عن مواقف سابقة لقيادات طالبان تجاه التكنولوجيا، فقد سبق لمسؤولين بارزين في الحركة أن عبّروا علناً عن رفضهم لاستخدام الهواتف الذكية والإنترنت، معتبرين إياها أدوات تهدد القيم التي تسعى الحركة إلى فرضها.
وفي هذا السياق، وصف ندا محمد نديم، وزير التعليم العالي في حكومة طالبان، الهاتف الذكي بأنه عدو، داعياً إلى تقليص استخدامه داخل الجامعات والمؤسسات التعليمية، بحجة أنه يشتت الطلاب ويعرضهم لأفكار لا تنسجم مع رؤية الحركة.
محاولات لإضفاء غطاء شرعي
كشفت مصادر مطلعة في وقت سابق أن هبة الله آخندزاده طلب من مجلس علماء طالبان البحث عن مخرج شرعي يتيح تقييد أو منع استخدام الهواتف الذكية، ووفقاً لهذه المصادر، فإن الهدف الحقيقي من هذه الخطوة يتجاوز الدوافع الأمنية المعلنة.
وتشير المعلومات إلى أن قيادة حركة طالبان تسعى من خلال هذه القيود إلى منع نشر الدعاية المناهضة للحركة، والحد من تداول الانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، وإسكات الأصوات التي تصفها طالبان بأنها مفسدة أو مضللة.
الخوف من الصورة والكلمة
ترى طالبان في الهواتف الذكية وسيلة خطرة لنقل الصورة والكلمة خارج سيطرتها، خاصة في ظل الانتشار الواسع لمقاطع الفيديو والتسجيلات التي توثق انتهاكات أو ممارسات مثيرة للجدل، ويخشى قادة الحركة من أن يؤدي ذلك إلى تقويض صورتهم داخلياً وخارجياً.
وبحسب المعلومات المتوفرة، يعارض هبة الله آخندزاده بشدة خدمات الإنترنت واستخدام الهواتف الذكية، ويعدها بوابة للتأثير الثقافي والفكري الخارجي، فضلاً عن كونها أداة فعالة بيد المعارضين والمنتقدين.
تداعيات على عناصر الحركة
يثير قرار مصادرة الهواتف الذكية تساؤلات حول تأثيره في حياة عناصر حركة طالبان أنفسهم، إذ يعتمد كثير منهم على هذه الأجهزة للتواصل مع عائلاتهم أو متابعة شؤونهم اليومية، ويرى مراقبون أن مثل هذه الإجراءات قد تزيد من عزلة العناصر وتعمق حالة الانغلاق داخل صفوف الحركة.
كما يخشى البعض من أن يؤدي هذا النهج إلى توسيع الفجوة بين طالبان والمجتمع الأفغاني، خاصة في ظل اعتماد شريحة واسعة من السكان على الهواتف الذكية والإنترنت في التعليم والعمل والحصول على المعلومات.
تقييد أوسع للفضاء الرقمي
يأتي هذا القرار في سياق سياسة أوسع تنتهجها حركة طالبان منذ عودتها إلى السلطة، تقوم على تقييد الفضاء الرقمي والإعلامي، وفرض رقابة مشددة على المحتوى المتداول عبر الإنترنت، إضافة إلى التضييق على الصحفيين والنشطاء.
ويرى خبراء أن مصادرة الهواتف الذكية من العناصر الأمنية قد تكون خطوة تمهيدية لتشديد أكبر يشمل قطاعات أخرى، سواء داخل مؤسسات الدولة التي تديرها طالبان أو في المجتمع بشكل عام.
منذ سيطرتها على أفغانستان، اتبعت حركة طالبان نهجاً متشدداً تجاه وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة، مستندة إلى تفسير صارم للشريعة ورؤية أيديولوجية ترى في الانفتاح الرقمي تهديداً للهوية والقيم، وعلى الرغم من استخدام الحركة نفسها للتكنولوجيا في مراحل سابقة لأغراض دعائية وتنظيمية، فإن قيادتها الحالية، وعلى رأسها هبة الله آخندزاده، تبدي موقفاً متحفظاً وعدائياً من الهواتف الذكية والإنترنت، ويأتي قرار مصادرة الهواتف من عناصر الشرطة في بكتيـا ليعكس هذا التوجه، في وقت تواجه فيه أفغانستان عزلة دولية وأزمات اقتصادية وإنسانية عميقة، تجعل من التكنولوجيا وسيلة حيوية للتواصل مع العالم الخارجي.










