بعد عام في البيت الأبيض.. "فرانس برس": ترامب يفكك ركائز النظام الدولي
بعد عام في البيت الأبيض.. "فرانس برس": ترامب يفكك ركائز النظام الدولي
بعد مرور عام كامل على عودته إلى البيت الأبيض، بات واضحاً أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يكتفي بإدارة الولايات المتحدة وفق رؤيته الخاصة، بل يسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي الذي تشكل عقب الحرب العالمية الثانية، خطواته المتسارعة وتصريحاته الحادة وتحركاته العسكرية وضعت العالم أمام واقع جديد يتسم بالاضطراب وعدم اليقين، وسط تساؤلات متزايدة حول شكل النظام العالمي الذي قد يتركه خلفه عند انتهاء ولايته الثانية.
بحسب ما ذكرته وكالة فرانس برس الخميس، بدأ الرئيس الأمريكي عامه الجديد بسلسلة من التحركات الهجومية التي كسرت أعرافاً دبلوماسية وسياسية استقرت لعقود، وهذه التحركات لم تأتِ في إطار ردود فعل ظرفية، بل بدت جزءاً من نهج متكامل يقوم على تحدي القواعد الدولية وإعادة تعريف دور الولايات المتحدة في العالم.
عملية فنزويلا ورسالة القوة
في 3 يناير أمر ترامب بتنفيذ عملية عسكرية في فنزويلا، الدولة الغنية بالنفط، أسفرت عن قيام قوات خاصة أمريكية بالقبض على الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، وخلفت العملية أكثر من 100 قتيل، وشكلت سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، إذ عكست استعداد واشنطن لاستخدام القوة المباشرة لإسقاط أنظمة معادية وتأمين مصالحها الاستراتيجية، وعلى رأسها الطاقة.
لم تتوقف سياسة التصعيد عند حدود الدول الخصمة، بل امتدت لتشمل دولاً حليفة، واصل ترامب تأكيد رغبته في السيطرة على غرينلاند، الجزيرة ذات الحكم الذاتي التابعة للدنمارك، وهي دولة حليفة في حلف شمال الأطلسي، كما هدد بضرب إيران في وقت كانت تشهد فيه الجمهورية الإيرانية احتجاجات واسعة واجهتها السلطات بقمع عنيف، ما زاد من حدة التوتر في منطقة الشرق الأوسط.
أمريكا أولاً بلا قيود
اعتمد ترامب نهجاً يقوم على التفرد في اتخاذ القرار، متخلياً عن أساليب الحكم التقليدية القائمة على التشاور والتحالفات، في إطار سياسة "أمريكا أولاً"، استخدم الرسوم الجمركية سلاحاً في حرب تجارية مفتوحة، وسحب بلاده من عشرات الهيئات الدولية، ومنها وكالات تابعة للأمم المتحدة، معتبراً أن هذه المؤسسات لم تعد تخدم المصالح الأمريكية.
برر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو هذه الانسحابات بالقول إن العديد من المنظمات الدولية باتت تخدم مشروعاً للعولمة يقوم على تصورات سقطت مصداقيتها، ويعكس هذا الخطاب تحولاً فكرياً عميقاً داخل الإدارة الأمريكية، يقوم على رفض فكرة النظام الدولي التوافقي الذي ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
تغليب المصالح على القيم
في السياق نفسه، صرح ستيفن ميلر، أحد أبرز مهندسي سياسة ترامب الداخلية والخارجية، بأن الوقت حان لتجاوز ما سماه المجاملات الدولية، وأكد أن العالم تحكمه القوة والنفوذ، في إشارة واضحة إلى أن الاعتبارات الأخلاقية والقيمية لم تعد أولوية في السياسة الخارجية الأمريكية.
ضمن هذا التوجه، تحدث جاريد كوشنر موفد الرئيس وصهره عن واقعية براغماتية تفرض أحياناً تغليب المصالح على القيم. هذا التصور يمثل قطيعة مع الخطاب الأمريكي التقليدي الذي كان يربط بين القوة العسكرية ونشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، حتى وإن شابه كثير من التناقضات.
فنـزويلا نموذج للنهج الجديد
في الحالة الفنزويلية، وبعد سنوات من اعتبار مادورو رئيساً غير شرعي، أعلنت الإدارة الأمريكية نيتها التعامل مع نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، متجاهلة قوى المعارضة، وبات الهدف المعلن هو السيطرة على النفط، مع التلويح باستخدام القوة لفرض الشروط الأمريكية، ما يعكس براغماتية صارخة في التعامل مع الأنظمة السياسية.
تحذيرات أوروبية من إمبريالية جديدة
أثار هذا النهج قلقاً واسعاً لدى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا، وحذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن السياسة الأمريكية الجديدة قد تفتح الباب أمام عصر من الاستعمار الجديد والإمبريالية الجديدة، معتبراً أن واشنطن تتخلى تدريجياً عن حلفائها وتتملص من القواعد الدولية التي أسهمت في ترسيخها.
ترى الباحثة ميلاني سيسون من معهد بروكينغز أن الولايات المتحدة نجحت تاريخياً في تحقيق أهدافها من دون اللجوء إلى الغزو والاحتلال، عبر أدوات نفوذ ناعمة استخدمت من خلال المنظمات الدولية والتحالفات، إلا أن هذا النموذج يتعرض اليوم للتفكك مع تراجع دور هذه المؤسسات.
عدوى القوة تنتشر عالمياً
تحذر سيسون من أن قوى دولية أخرى ستسعى إلى تقليد النهج الأمريكي الجديد، ما قد يؤدي إلى سباق نفوذ عالمي قائم على منطق القوة، وترى أن دونالد ترامب يعيد تشكيل السياسة الدولية بشكل مستديم، وأن العودة إلى نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية باتت أمراً مستبعداً.
في المقابل يرى بعض الدبلوماسيين من دول حليفة أن النظام العالمي القائم لم يعد صالحاً، حتى وإن بدت الوسائل الأمريكية صادمة، ويعد هؤلاء ما يحدث اليوم قد يكون بداية لإعادة ترتيب دولية تعكس موازين قوى أكثر واقعية، بعيداً عن شعارات لم تعد قابلة للتطبيق.
عالم على أعتاب مرحلة جديدة
بين من يرى في سياسة ترامب تهديداً خطيراً للاستقرار العالمي، ومن يعدها تصحيحاً لمسار دولي مختل، يبقى المؤكد أن العام الأول من ولايته الثانية أحدث زلزالاً سياسياً لا تزال ارتداداته تتوسع، ويبدو العالم الذي يتشكل اليوم أقل التزاماً بالقواعد وأكثر خضوعاً لمنطق القوة، في تحول قد يحدد ملامح العلاقات الدولية لسنوات طويلة مقبلة.
تشكل النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية على أسس متعددة، أبرزها إنشاء الأمم المتحدة، وترسيخ التحالفات العسكرية مثل حلف شمال الأطلسي، واعتماد قواعد قانونية تنظم استخدام القوة والعلاقات بين الدول، ولعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في صياغة هذا النظام وقيادته، مستفيدة من تفوقها الاقتصادي والعسكري، غير أن التحولات الجيوسياسية وصعود قوى جديدة وتراجع الثقة في العولمة، مهدت لظهور تيارات سياسية تشكك في جدوى هذا النظام. ومع عودة ترامب إلى السلطة، انتقلت هذه الشكوك من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل، ما وضع العالم أمام اختبار تاريخي لمستقبل النظام الدولي برمته.










