مخلفات الحرب تلاحق المزارعين والأطفال من السويداء إلى دير الزور
مخلفات الحرب تلاحق المزارعين والأطفال من السويداء إلى دير الزور
تتواصل مأساة الألغام الأرضية ومخلفات الحرب في سوريا مع تسجيل حوادث جديدة أودت بحياة مدنيين في مناطق متفرقة من البلاد، في مشهد يعكس استمرار الخطر الكامن تحت الأرض وغياب أي إجراءات فاعلة لحماية السكان، خصوصا في المناطق الزراعية والريفية التي باتت مسرحا لانفجارات مفاجئة تحصد الأرواح وتخلف إعاقات دائمة.
وبحسب ما أورده المرصد السوري لحقوق الإنسان الأربعاء نقلا عن مصادر محلية في محافظتي السويداء ودير الزور، سجلت أمس الثلاثاء حوادث انفجار ألغام أرضية أسفرت عن إصابة مدنيين، في استمرار لسلسلة من الوقائع التي تشهدها الأراضي السورية منذ سنوات، نتيجة الانتشار الواسع للألغام والأجسام غير المتفجرة دون عمليات تطهير شاملة.
إصابة مزارع في ريف السويداء
في الريف الشمالي الشرقي لمحافظة السويداء، أصيب مواطن في الثلاثين من عمره جراء انفجار لغم أرضي أثناء وجوده في أراضٍ زراعية قريبة من قرية الهيات، وأفادت المعلومات بأن الانفجار وقع بشكل مفاجئ أثناء عمله في الأرض، ما أدى إلى إصابته بجروح استدعت نقله على وجه السرعة إلى أحد المشافي لتلقي العلاج، وسط مخاوف من مضاعفات صحية طويلة الأمد.
امرأة وطفل ضحيتان في دير الزور
وفي حادثة أخرى لا تقل مأساوية، أصيبت سيدة وطفلها جراء انفجار لغم أرضي في قرية خشام بريف دير الزور، وأكدت مصادر طبية أن المصابين نقلا إلى المشفى لتلقي الإسعافات اللازمة، في وقت لا تزال فيه أوضاعهما الصحية تحت المراقبة، وسط قلق من الآثار النفسية والجسدية التي قد تلازم الطفل مستقبلا.
وتعكس هذه الحوادث استمرار انتشار الألغام ومخلفات الذخائر في مختلف المناطق السورية، سواء في الحقول الزراعية أو القرى السكنية أو محيط الطرق، دون وجود برامج فعالة لإزالتها أو تحذير المدنيين من أماكن وجودها، ما يجعل الحياة اليومية محفوفة بالمخاطر، خاصة بالنسبة للمزارعين والأطفال.
حصيلة دامية منذ بداية 2026
ومع بداية عام 2026، تشير البيانات الموثقة إلى مقتل اثنين من المدنيين نتيجة انفجار أجسام ومواد وذخائر من مخلفات الحرب السورية، بينهم طفل واحد وسيدة واحدة، كما سجلت إصابة 8 أشخاص بجروح متفاوتة، توزعوا بين 3 رجال وسيدة واحدة و4 أطفال، في مؤشر خطير على اتساع رقعة الخطر وتهديده للفئات الأكثر ضعفا.
في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة دمشق، استشهد اثنان من المدنيين منذ بداية العام، هما طفل وسيدة، إضافة إلى إصابة 6 أشخاص بجروح، بينهم 3 رجال و3 أطفال، وتؤكد هذه الأرقام أن الألغام لا تزال تحصد الأرواح في مناطق يفترض أنها تشهد استقرارا نسبيا، ما يطرح تساؤلات حول جدية التعامل مع هذا الملف الإنساني الخطير.
أما في مناطق الإدارة الذاتية، فلم تسجل حالات وفاة خلال الفترة ذاتها، إلا أن اثنين من المدنيين أصيبا بجروح، هما سيدة وطفل، في حوادث انفجار مماثلة، ورغم انخفاض عدد الضحايا مقارنة بمناطق أخرى، إلا أن الخطر لا يزال قائما ويهدد حياة السكان بشكل يومي.
وتشير منظمات إنسانية إلى أن الأطفال يعدون من أكثر الفئات عرضة لخطر الألغام، بسبب فضولهم الطبيعي وعدم إدراكهم لطبيعة هذه الأجسام القاتلة، إضافة إلى اضطرار كثير منهم لمرافقة ذويهم إلى الحقول أو اللعب في مناطق ملوثة دون أي وسائل تحذير أو توعية.
غياب الحلول واستمرار المعاناة
ورغم مرور سنوات على تراجع حدة العمليات العسكرية في عدد من المناطق السورية، لا يزال ملف الألغام ومخلفات الحرب مهملا إلى حد كبير، في ظل ضعف الإمكانات وقلة الدعم الدولي، إضافة إلى غياب التنسيق بين الجهات المسيطرة على الأرض، ما يجعل المدنيين يدفعون الثمن الأكبر.
وتجدد منظمات حقوقية وإنسانية دعوتها إلى ضرورة إطلاق برامج شاملة لإزالة الألغام وتطهير الأراضي الزراعية والقرى، إلى جانب نشر التوعية بين السكان، خاصة الأطفال، حول مخاطر الأجسام غير المتفجرة، وتقديم الدعم الطبي والنفسي للضحايا وأسرهم.
أثر نفسي واجتماعي عميق
ولا تقتصر آثار انفجارات الألغام على الإصابات الجسدية، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية قاسية، حيث يعيش كثير من الناجين بإعاقات دائمة، بينما تعاني عائلات الضحايا من صدمات نفسية وفقدان مصادر الرزق، خصوصا في المجتمعات الريفية التي تعتمد على الزراعة كمصدر أساسي للعيش.
تعد سوريا من أكثر دول العالم تلوثا بالألغام الأرضية ومخلفات الذخائر غير المتفجرة، نتيجة سنوات طويلة من النزاع المسلح الذي استخدمت خلاله مختلف أنواع الأسلحة في المدن والقرى والحقول، وتنتشر هذه المخلفات في مساحات واسعة من البلاد، ما يشكل تهديدا دائما لحياة المدنيين حتى بعد توقف المعارك، ورغم الجهود المحدودة التي تبذلها بعض المنظمات المحلية والدولية، لا تزال عمليات إزالة الألغام غير كافية مقارنة بحجم التلوث، في ظل نقص التمويل وصعوبة الوصول إلى كثير من المناطق، ومع استمرار تسجيل الضحايا، يتحول ملف الألغام إلى أحد أخطر التحديات الإنسانية التي تواجه سوريا في مرحلة ما بعد الحرب، ويظل المدنيون الحلقة الأضعف في معركة صامتة تحصد الأرواح دون إنذار.










