أخفقت في حمايته.. الأمم المتحدة تدين أستراليا بسبب تعذيب طالب لجوء إيراني

أخفقت في حمايته.. الأمم المتحدة تدين أستراليا بسبب تعذيب طالب لجوء إيراني
الأمم المتحدة

في إدانة جديدة لسياسات الاحتجاز الصارمة، أعلنت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة أن أستراليا أخفقت في حماية طالب لجوء إيراني من التعذيب وسوء المعاملة خلال سنوات احتجازه الطويلة، معتبرة أن ما تعرض له يشكل انتهاكاً واضحاً لالتزامات كانبيرا الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وجاء في بيان اللجنة الأممية الصادر الأربعاء، ونقلته وكالة فرانس برس، أن أستراليا تتحمل المسؤولية القانونية عن الانتهاكات التي تعرض لها طالب اللجوء، رغم نقله إلى مراكز احتجاز خارج أراضيها، داعية الحكومة الأسترالية إلى تقديم تعويض مناسب له وضمان إعادة تأهيله جسدياً ونفسياً بعد سنوات من المعاناة.

احتجاز طويل وظروف قاسية

وبحسب ما وثقته لجنة مناهضة التعذيب، وصل طالب اللجوء الإيراني إلى جزيرة كريسماس، وهي إقليم خارجي تابع لأستراليا في المحيط الهندي، على متن قارب في عام 2013، في رحلة محفوفة بالمخاطر بحثاً عن الأمان، وبعد وصوله نُقل إلى مركز احتجاز تديره أستراليا في بابوا غينيا الجديدة، حيث بقي قيد الاحتجاز قرابة 3 سنوات أثناء دراسة طلب لجوئه.

وخلال هذه الفترة، أفاد صاحب الشكوى بأنه عاش في ظروف وصفتها اللجنة بالقاسية وغير الإنسانية، وتعرض لعنف شديد، شمل حادثة خطيرة تمثلت في شق حلقه على يد أحد حراس الأمن داخل المركز، وأكدت اللجنة أن هذه الوقائع لم تكن معزولة، بل جاءت في سياق عام من انعدام الحماية، وضعف الرقابة، وبيئة احتجاز تتسم بالإهمال والعنف.

نقل طبي واستمرار الاحتجاز

وفي عام 2019، نُقل طالب اللجوء إلى داخل الأراضي الأسترالية لتلقي العلاج الطبي نتيجة تدهور حالته الصحية، إلا أن معاناته لم تنتهِ عند هذا الحد. فقد بقي رهن الاحتجاز لدى سلطات الهجرة الأسترالية لما يقارب 3 سنوات إضافية، قبل أن يُفرج عنه أخيراً في عام 2022 بموجب تأشيرة مؤقتة، بعد نحو 9 سنوات من الاحتجاز المتواصل داخل منظومة الهجرة.

واعتبرت اللجنة أن هذا الاحتجاز المطول، سواء داخل بابوا غينيا الجديدة أو في أستراليا، أسهم بشكل مباشر في تعميق معاناة الرجل النفسية والجسدية، ويمثل بحد ذاته شكلاً من أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

رفض أسترالي وتحميل للمسؤولية

ودافعت الحكومة الأسترالية عن نفسها أمام اللجنة، معتبرة أن مسؤولية إدارة مركز الاحتجاز في بابوا غينيا الجديدة تقع على عاتق السلطات المحلية هناك، وأن احتجاز طالب اللجوء كان قانونياً ومتوافقاً مع القوانين المعمول بها، غير أن لجنة مناهضة التعذيب رفضت هذا الطرح بشكل قاطع.

وقال عضو اللجنة الأممية خورخي كونتيس إن التزامات الدول في حماية حقوق الإنسان لا تسقط بمجرد نقل مرافق الاحتجاز إلى خارج الحدود الوطنية، وأضاف أن المعيار الأساسي ليس الموقع الجغرافي للمركز، بل ما إذا كانت الدولة قد وضعت شخصاً في وضع تملك فيه القدرة على منع الأذى عنه ثم تقاعست عن ذلك.

تعذيب ومعاملة مهينة

وخلصت اللجنة إلى أن أستراليا تقاعست عن اتخاذ تدابير فعالة لمنع التعذيب وسوء المعاملة أثناء احتجاز مقدم الشكوى في بابوا غينيا الجديدة، وأكدت أن مزيجاً من الظروف القاسية، والاحتجاز المطول، وانعدام الحماية الكافية، يرقى إلى مستوى التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، في انتهاك صريح لاتفاقية مناهضة التعذيب.

كما شددت اللجنة على أن احتجاز طالب اللجوء داخل مراكز الهجرة الأسترالية، سواء خارج البلاد أو داخلها، لم تثبت الحكومة الأسترالية أنه كان ضرورياً أو متناسباً أو معقولاً، وهو ما يشكل إخلالاً جوهرياً بالمعايير الدولية ذات الصلة.

انتقادات متجددة لسياسة الاحتجاز الخارجي

ويأتي هذا القرار ليضيف فصلاً جديداً إلى سلسلة من الانتقادات الدولية التي تواجهها أستراليا بسبب نظام الاحتجاز الخارجي لطالبي اللجوء، وهو النظام الذي يقضي بنقل الوافدين بحراً إلى مراكز احتجاز في دول مثل بابوا غينيا الجديدة وناورو.

وقد تعرض هذا النظام لإدانات واسعة من منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة، بسبب الظروف المزرية التي تسود تلك المراكز، ومنها الاكتظاظ، وانعدام الرعاية الصحية الكافية، والعنف، والاحتجاز لفترات غير محددة.

وشهدت هذه المراكز وفاة 14 محتجزاً، إضافة إلى تسجيل محاولات انتحار عديدة، ما دفع أستراليا إلى تقليص نطاق هذه السياسة تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، فضلاً عن إحالة ما لا يقل عن 6 قضايا مرتبطة بها إلى المحكمة الجنائية الدولية.

معاناة نفسية وجسدية

وأكدت اللجنة الأممية أن إجراءات أستراليا المتعلقة بدراسة طلبات اللجوء خارج البلاد كثيراً ما عرّضت طالبي اللجوء للاحتجاز المطول، وعدم اليقين بشأن مستقبلهم، وظروف قاسية تسببت في معاناة نفسية وجسدية شديدة، واعتبرت أن هذه السياسة، بصيغتها الحالية، تنطوي على مخاطر جدية لانتهاك اتفاقية مناهضة التعذيب.

ورغم أن آراء وتوصيات اللجنة غير ملزمة قانوناً، فإنها تحمل ثقلاً معنوياً كبيراً، وقد تؤثر بشكل مباشر في سمعة الدول المعنية، وتضعها تحت ضغط دولي متزايد لمراجعة سياساتها.

دعوة إلى التعويض والمساءلة

وحضت لجنة مناهضة التعذيب الحكومة الأسترالية على تقديم تعويض مناسب لطالب اللجوء الإيراني، وضمان حصوله على إعادة تأهيل شاملة، تشمل الدعم الطبي والنفسي، إضافة إلى اتخاذ تدابير فعالة لمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات في المستقبل.

كما دعت كانبيرا إلى مراجعة شاملة لسياسات الاحتجاز والهجرة، ما يضمن احترام الكرامة الإنسانية لطالبي اللجوء، والالتزام الكامل بالمعايير الدولية، وعدم استخدام الاحتجاز المطول أداة ردع.

اعتمدت أستراليا منذ أكثر من عقد سياسة الاحتجاز الخارجي لطالبي اللجوء الذين يصلون إلى أراضيها بحراً، في إطار ما تصفه بمحاولة ردع الهجرة غير النظامية، وبموجب هذه السياسة، يُنقل طالبو اللجوء إلى مراكز احتجاز في دول أخرى، أبرزها بابوا غينيا الجديدة وناورو، حيث تُدرس طلباتهم بعيداً عن الأراضي الأسترالية.

وقد أثارت هذه السياسة جدلاً واسعاً وانتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان، بسبب ما وصفته بانتهاكات ممنهجة تشمل الاحتجاز غير المحدد، والظروف القاسية، وغياب الأفق القانوني الواضح للمحتجزين، وتعد قضية طالب اللجوء الإيراني واحدة من أبرز القضايا التي سلطت الضوء مجدداً على التبعات الإنسانية والقانونية لنظام الاحتجاز الخارجي، وأعادت إلى الواجهة النقاش الدولي حول مسؤولية الدول عن حماية طالبي اللجوء أينما كانوا.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية