خفض المساعدات الأمريكية.. قرار مالي يضرب حقوق الحياة والتنمية عالمياً

خفض المساعدات الأمريكية.. قرار مالي يضرب حقوق الحياة والتنمية عالمياً

لا يمثل تقليص المساعدات الخارجية الأمريكية، ولا سيما تلك المرتبطة بالمناخ، مجرد إعادة ترتيب للإنفاق العام، بل يفتح فجوة حقوقية عميقة تمس الحق في الحياة، والحق في سبل العيش، والحق في التنمية الآمنة، في عالم تتسارع فيه الكوارث المناخية بوتيرة غير مسبوقة.

ووفقاً لتحليل أجرته مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية فإن تغير المناخ بات أحد أكثر التهديدات كلفةً للاقتصاد العالمي وللاستقرار الإنساني، مستندة إلى بيانات شركة التأمين وإدارة المخاطر “أيون” التي قدّرت الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الكوارث الطبيعية بـ313 مليار دولار عام 2022، و380 مليار دولار عام 2023.

كما أكد البنك الدولي أن انقطاع الخدمات المرتبط بالطقس وسوء صيانة البنية التحتية في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل يُكلّف الأسر والشركات ما بين 390 و647 مليار دولار سنويًا.

وتحذر المجلة من أن هذه الخسائر مرشحة للتفاقم، إذ تشير شركة الخدمات المالية "إس آند بي غلوبال" إلى أن الخسائر السنوية الناتجة عن المخاطر المناخية المادية قد تصل إلى ما بين 3.2% و5.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2050، مع استمرار ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية.

وتربط هذه الأرقام مباشرة بالحقوق الأساسية، موضحة أن الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين البنية التحتية، وتوفير حلول تخزين المياه، وزراعة محاصيل مقاومة للجفاف، لا يُعد ترفًا سياسيًا، بل أداة حماية مباشرة للأرواح وسبل العيش. وتستشهد بنتائج اللجنة العالمية للتكيف التي خلصت إلى أن كل دولار يُستثمر في تدابير التكيف يُحقق ما بين دولارين وعشرة دولارات من الخسائر المتجنبة والمكاسب الاقتصادية.

بوليصة تأمين

تؤكد المجلة أن الولايات المتحدة طالما موّلت هذه الاستثمارات عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، باعتبارها "بوليصة تأمين" منخفضة التكلفة لازدهارها وأمنها ونفوذها، إذ أسهمت في الحفاظ على استقرار سلاسل التوريد، والحد من ضغوط الهجرة، ومنع توسع نفوذ الصين في الدول النامية.

ولكن إدارة الرئيس دونالد ترامب خفّضت أكثر من 80% من منح وعقود الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، من أصل أكثر من 6200 عقد، ومنها ما يقارب 100% من العقود المرتبطة بالمناخ، تحت ذريعة خفض التكاليف.

تحذر المجلة من أن هذا التراجع يمثل “اقتصادًا زائفًا”؛ لأن أي وفورات قصيرة الأجل ستبدد مع تصاعد الكوارث المناخية، وارتفاع الأسعار، وتشريد السكان، وخلق بيئات خصبة للجماعات الإجرامية والمتطرفة، فضلًا عن تمكين الصين من توسيع نفوذها في الجنوب العالمي.

وتستدعي المجلة مواقف رسمية سابقة لتأكيد هذا المنطق، إذ تذكر أن وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت غيتس دعا عام 2007 إلى زيادة الإنفاق على المساعدات الخارجية لمنع تحوّل الأزمات المحلية إلى صراعات عسكرية، في حين قال قائد القيادة المركزية الأمريكية آنذاك، جيم ماتيس، عام 2013، إن عدم تمويل وزارة الخارجية بالكامل يعني أن وزارة الدفاع ستضطر لاحقًا إلى "شراء المزيد من الذخيرة".

إنقاذ الأرواح

تفصل "فورين أفيرز" بالأرقام العوائد المباشرة للاستثمار المناخي، موضحة أن 24 ساعة فقط من الإنذار المبكر يمكن أن تقلل الأضرار بنسبة 30% تقريبًا، وأن استثمار 800 مليون دولار في أنظمة الإنذار المبكر قد يُجنب خسائر تتراوح بين 3 و16 مليار دولار سنويًا.

كما تنقل عن الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أن التنمية المراعية لتغير المناخ يمكن أن تخفض عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من 100 مليون شخص عام 2019 إلى 68 مليونًا بحلول 2030، ثم إلى 10 ملايين فقط بحلول 2050.

وتسرد المجلة أمثلة ميدانية، منها تجربة ملاوي، حيث تعاونت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووكالة ناسا مع الحكومة المركزية بين عامي 2019 و2021 لتطوير نظام إنذار مبكر بالفيضانات، ما أتاح تحذير المجتمعات المعرضة للخطر قبل ثلاثة إلى أربعة أيام خلال عواصف عام 2022.

وبحسب حكومة ملاوي، حالت هذه الإجراءات دون خسائر بلغت 40 مليون دولار، مقابل أقل من مليون دولار سنويًا لتشغيل النظام.

وتُبرز تجربة أمريكا الوسطى بعد إعصار "ميتش" عام 1998، حيث أسهمت شبكات الإنذار المبكر المدعومة أمريكيًا في خفض الخسائر البشرية إلى نحو 250 شخصًا فقط خلال إعصاري "إيتا" و"إيوتا" عام 2020، مقارنة بعشرة آلاف قتيل في الكارثة السابقة.

من المناخ إلى الهجرة

تربط المجة الأمريكية بين التكيف المناخي والحد من الهجرة القسرية، مستشهدة بدراسة نُشرت عام 2023 في مجلة "ساينتيفيك ريبورتس" أظهرت أن موجات الجفاف في السلفادور وغواتيمالا وهندوراس بين 2012 و2018 تزامنت مع ارتفاع الهجرة إلى الولايات المتحدة بنسبة 71%.

ساعدت مبادرة “إطعام المستقبل” التي نُفذت بين 2010 و2025 في 50 دولة، 34 مليون شخص في عام 2024 وحده على تحسين ممارساتهم الزراعية وتقليل المخاطر المناخية، ما خفّض دوافع الهجرة، كما تذكر أن هذه الجهود أسهمت في حماية سلاسل الإمداد الغذائي الأمريكية ومنع انتقال أمراض مثل حمى الخنازير الإفريقية.

تسلط المجلة الضوء على دور المساعدات المناخية في تقويض قدرة الجماعات المتطرفة على التجنيد، خصوصًا في منطقة الساحل، حيث ساعدت برامج التأمين ضد الجفاف في مالي وبوركينا فاسو على صرف تعويضات بقيمة 22 مليون دولار دعمت أكثر من 434 ألف شخص.

انسحاب أمريكي وفراغ عالمي

من جانبها ترصد منصة "دايالوج إيرث"  البُعد السياسي الدولي لهذه التخفيضات، موضحة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمر في 7 يناير بالانسحاب من 66 هيئة دولية تعمل في مجالات المناخ، والتنوع البيولوجي، والطاقة، والحوكمة العالمية.

ونقلت المنصة عن البيت الأبيض قوله إن هذه الهيئات "تروج لسياسات مناخية متطرفة وبرامج أيديولوجية تتعارض مع سيادة الولايات المتحدة"، مشيرة إلى أن القرار يشمل الانسحاب من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

وتحذر المنصة البيئية من أن هذا الانسحاب سيُضعف الجهود العالمية لمواجهة تغير المناخ، ويقوض العمل العلمي، خصوصًا في بلدان الجنوب التي تعتمد على الدعم الدولي.

كما تنقل عن رئيس مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية، مانيش بابنا، أن الانسحاب من هذه الاتفاقيات يحرم واشنطن من التأثير في السياسات الاقتصادية العالمية.

وتلفت إلى أن هذا التراجع يفتح المجال أمام الصين لملء الفراغ من خلال مشاريع الطاقة والبنية التحتية، وإن كانت مصحوبة بشروط إقراض تُفاقم الديون السيادية وتحد من قدرة الدول النامية على الإنفاق على التعليم والمياه والغذاء.

يخلص التحليلان معًا إلى أن خفض التمويل الأمريكي للمناخ لا يهدد فقط التزامات دولية، بل ينعكس مباشرة على حقوق ملايين البشر في الحياة الكريمة، والأمن الغذائي، والمياه النظيفة، والاستقرار، فالانسحاب من التعددية، وتفكيك مؤسسات مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، يحوّل الوقاية إلى استجابة متأخرة، ويجعل كلفة الكوارث أعلى إنسانيًا واقتصاديًا.

تؤكد "فورين أفيرز" أن الاستثمار المبكر في التكيف المناخي أقل كلفة وأكثر فعالية من الاستجابة الطارئة، في حين تحذر "دايالوج إيرث" من أن الفراغ الذي تتركه واشنطن يعاد ملؤه بشروط تُضعف الحقوق والسيادة معًا.

 

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية