دعم إماراتي لبرامج حقوق الإنسان يعزز الاستجابة الدولية في ظل أزمة تمويل أممية

دعم إماراتي لبرامج حقوق الإنسان يعزز الاستجابة الدولية في ظل أزمة تمويل أممية
علم دولة الإمارات العربية المتحدة

أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة، الخميس، عن تقديم مساهمة مالية طوعية بقيمة 1.5 مليون دولار أمريكي لدعم أنشطة وبرامج مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في خطوة تعكس التزامها المستمر بدعم منظومة حقوق الإنسان وتعزيز حضورها العملي في الجهود الدولية ذات البعد الإنساني.

دعم مباشر لبرامج الحماية

التمويل الإماراتي سيسهم في دعم برامج وأنشطة المفوضية السامية لحقوق الإنسان بما يتماشى مع ولايتها الأساسية، منها العمل الإنساني الميداني وتعزيز حماية الفئات الأكثر احتياجا، مثل الأطفال وكبار السن والنساء وأصحاب الهمم، إضافة إلى دعم المبادرات الرامية إلى صون الكرامة الإنسانية في مختلف السياقات وفق وكالة الأنباء الإماراتية "وام".

المساهمة ستدعم أيضاً جهود المفوضية في تطوير وتعزيز آليات حقوق الإنسان الدولية، وتقديم المساعدة الفنية وبناء القدرات للدول الأعضاء، بما يعزز الامتثال للمعايير الدولية ويدعم التعاون متعدد الأطراف في هذا المجال.

التزام إماراتي بالتعاون الدولي

وتؤكد هذه الخطوة نهج دولة الإمارات القائم على التعاون البنّاء مع الأمم المتحدة، ودعمها المستمر للمبادرات التي تهدف إلى ترسيخ حقوق الإنسان وتعزيز الاستقرار والتنمية المستدامة على المستوى العالمي.

أزمة تمويل تضغط على منظومة الأمم المتحدة

تأتي هذه المساهمة في وقت تواجه فيه الأمم المتحدة أزمة تمويل حادة، نتيجة تأخر سداد مساهمات بعض الدول المانحة وتراجع التمويل الطوعي، ما أثر بشكل مباشر في قدرة العديد من الوكالات الأممية على تنفيذ برامجها الحيوية. وقد حذرت الأمم المتحدة مرارا من أن نقص الموارد يهدد استمرارية عمليات إنسانية وتنموية أساسية، ويجبر بعض المكاتب على تقليص أنشطتها أو إعادة ترتيب أولوياتها، وفي هذا السياق، تكتسب المساهمات الطوعية أهمية متزايدة لسد الفجوات التمويلية وضمان استمرار تقديم الخدمات للفئات المتضررة حول العالم.

يعد مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان الجهة الرئيسية المعنية بتعزيز وحماية حقوق الإنسان داخل منظومة الأمم المتحدة، ويعتمد في جزء كبير من ميزانيته على التمويل الطوعي من الدول الأعضاء، ومع تصاعد الأزمات العالمية وتزايد الطلب على التدخلات الحقوقية والإنسانية، تواجه المفوضية، كغيرها من الوكالات الأممية، تحديات مالية متنامية. وتأتي مساهمة دولة الإمارات ضمن سلسلة من المبادرات التي تعكس دعمها المستمر للعمل متعدد الأطراف وإيمانها بأهمية تمكين المؤسسات الدولية من أداء مهامها في ظل بيئة دولية معقدة وضغوط مالية متزايدة.

وفي وقت سابق، كشف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن المفوضية واجهت عجزا ماليا يبلغ 90 مليون دولار خلال العام 2025، وهو ما أجبرها على تسريح 300 موظف، بينهم خبراء ومختصون في الرصد والتحقيقات والشؤون القانونية.

ويشكل هذا الانكماش أكبر تقليص في كوادر المفوضية منذ سنوات طويلة، وينعكس مباشرة على قدرتها في مراقبة الانتهاكات، ورفع التقارير، ودعم آليات المساءلة الدولية.

تراجع الوجود الدولي

أشار تورك إلى أن المفوضية اضطرت إلى تقليص العمل الأساسي في عدة مناطق تشهد تصاعدا كبيرا في الانتهاكات، من بينها كولومبيا وجمهورية الكونجو الديمقراطية وميانمار وتونس.

وقال إن بعض البرامج أغلقت بالكامل، في حين تراجعت زيارات المقررين الخاصين وتوقف جزء من بعثات تقصي الحقائق التي تعد واحدة من أهم أدوات الأمم المتحدة في توثيق الانتهاكات الخطرة.

أوضح تورك أن أزمة نقص التمويل أجبرت المفوضية على تأجيل جلسات مراجعة الدول الأطراف في معاهدات حقوق الإنسان، التي تعد جزءا أساسيا من أدوات المساءلة الدولية.

وذكر أن عدد مراجعات الدول انخفض من 145 إلى 103، ما يترك أكثر من 40 دولة من دون تقييم دوري لوضع حقوق الإنسان فيها، ويؤكد خبراء أن هذا التراجع يجعل الانتهاكات أكثر قابلية للتمدد، خصوصاً في بيئات الصراع والنزاعات المسلحة.

تزايد مقلق للانتهاكات

ربط تورك بين تراجع التمويل وزيادة الانتهاكات في عدد من بؤر التوتر، وقال إن السودان يشهد انهيارا شبه كامل في الضوابط الإنسانية والحقوقية، فيما تتواصل في غزة أزمة إنسانية وحقوقية تشكل إحدى أكثر الأزمات خطورة في السنوات الأخيرة، وفي أوكرانيا، أكد تورك أن استخدام روسيا للأسلحة القوية بعيدة المدى أدى إلى ارتفاع حاد في أعداد الضحايا المدنيين، حيث سجلت المفوضية زيادة بنسبة 24 في المئة في أعداد القتلى والمصابين المدنيين مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وقال تورك إن الانكماش المالي الكبير لا يعرّض فقط عمل المفوضية للخطر، بل يقوض منظومة حقوق الإنسان الدولية بأكملها، التي تعتمد على وجود مؤسسات قوية قادرة على الرصد والدعم والمساءلة، وأضاف أن غياب التمويل الكافي يضعف قدرة الأمم المتحدة على الاستجابة للنزاعات الممتدة وعلى دعم المنظمات المحلية التي تُعد خط الدفاع الأول في المجتمعات المتضررة.

وتتفاقم أزمة التمويل مع القرار الأمريكي بتقليص الإسهامات المتوقعة في ميزانية عمليات حفظ السلام للفترة 2025 2026، فقد كان من المفترض أن تسهم الولايات المتحدة بمبلغ 1.3 مليار دولار من إجمالي ميزانية قدرها 5.4 مليارات دولار، لكنها أبلغت الأمم المتحدة بأنها ستدفع نصف المبلغ فقط بقيمة 682 مليون دولار.

يرتبط القرار الأمريكي بسياسة الرئيس دونالد ترامب الذي عاد إلى نهج يقوم على تقليص المساعدات الخارجية والإنفاق الدولي، والتركيز على أولويات الأمن القومي والاقتصاد الداخلي للولايات المتحدة، ويرى مراقبون أن هذا التوجه يضع الأمم المتحدة أمام أكبر تحد مالي تواجهه منذ سنوات، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى وجود ميداني طويل الأمد في مناطق النزاعات الممتدة، مثل إفريقيا والساحل والشرق الأوسط وأوروبا الشرقية.

لم تقتصر الأزمة على المفوضية، فقد أشار تورك إلى أن التمويل الموجه لمنظمات حقوق الإنسان المحلية حول العالم يتراجع أيضا، هذه المنظمات تعتمد على تمويل دولي لمواصلة عملها في التوثيق والمناصرة، ومع تراجع الدعم الدولي، تصبح قدرتها على حماية المجتمعات المحلية أكثر هشاشة، ويقول مراقبون إن هذا التراجع يهدد بإغلاق عشرات المنظمات الصغيرة في دول تعاني أصلا من مستويات مرتفعة من الانتهاكات، ما يخلق فراغا خطِرا في المشهد الحقوقي.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية