على شفا الانفجار.. كيف تكشف الاحتجاجات الشعبية هشاشة الأوضاع الحقوقية في إيران؟
على شفا الانفجار.. كيف تكشف الاحتجاجات الشعبية هشاشة الأوضاع الحقوقية في إيران؟
في شوارعٍ ضاقت بأحلام سكانها، وعلى أرصفة اعتادت مشاعر الخوف قبل أن تُزلزل بأصداء الهتافات، تتصاعد في إيران موجات احتجاج شعبي لا يمكن قراءتها باعتبارها أحداثاً عابرة أو انفجارات غضب مؤقتة، لكنها تعبير مكثف عن تراكم طويل من القهر، وعن مجتمع يعيش على حافة الانفجار، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع القيود السياسية، وتتكشف الهشاشة العميقة للمنظومة الحقوقية.
ولم تعد مطالب المحتجين محصورة في تحسين الأوضاع المعيشية أو مواجهة التضخم وانهيار العملة، رغم ثقل هذه الأزمات على حياة ملايين الإيرانيين، إذ إن الاحتجاجات الأخيرة حملت في طياتها نداءات واسعة للكرامة الإنسانية؛ ورفضًا لسياسات القمع وتكميم الأفواه، واحتجاجًا على منظومة ترى في المطالبة بالحقوق تهديداً وجودياً لا حقاً مشروعاً.
ففي هتافات الشباب، وفي صمت الأمهات اللواتي يراقبن أبناءهن يُساقون إلى المجهول، تتجلى معادلة قاسية، حيث قبضة الدولة الأمنية في مواجهة المجتمع المُنهك، وسلطة سياسية ترد على الألم الاجتماعي بعصا الردع لا بنية الإصلاح.
وتتعامل السلطات الإيرانية مع الاحتجاجات بمنطق أمني صرف، حيث يُقابل التظاهر السلمي باستخدام القوة المفرطة، واعتقالات جماعية، ومحاكمات تفتقر في كثير من الأحيان إلى معايير العدالة والشفافية، إذ تشير تقارير حقوقية متواترة إلى استخدام الرصاص المطاطي والحي، وإلى ممارسات قاسية داخل مراكز الاحتجاز، تشمل التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من التواصل مع المحامين.
ولا يعكس هذا النهج فقط أزمة في إدارة الاحتجاج، بل يكشف خللاً بنيوياً في احترام الحق في التعبير والتجمع السلمي، وهما حقان مكفولان في المواثيق الدولية التي تُعد إيران طرفاً فيها، لكنها تظل حبراً على ورق في واقع التطبيق.
النساء والأقليات
وبرزت النساء في الصفوف الأمامية للاحتجاجات لا بوصفهن ضحايا فحسب، بل فاعلات رئيسيات في المشهد العام، خصوصاً بعد أن تحولت أجساد النساء إلى ساحات صراع رمزية بين سلطة تسعى لفرض نموذج اجتماعي صارم، ونساء يطالبن بالحق في الاختيار والوجود الحر في المجال العام.
غير أن هذا الحضور قوبل باستهداف مضاعف، من اعتقالات تعسفية إلى حملات تشهير وعنف نفسي وجسدي، ما يعكس تقاطع القمع السياسي مع التمييز الجندري، ليجعل النساء أكثر الفئات هشاشة في سياق الاحتجاج.
ولم تكن الأقليات القومية والدينية بمعزل عن موجات الغضب الشعبي، بل كانت في كثير من الأحيان في طليعتها، خاصة في الأقاليم الحدودية التي تعاني من التهميش الاقتصادي والإقصاء السياسي، وفي هذه المناطق اتخذ القمع أشكالاً أكثر حدة، وسط تضييق إعلامي يمنع وصول صورة كاملة عما يجري، ما يحول الاحتجاج من فعل سياسي سلمي إلى أزمة ثقة شاملة بين الدولة ومواطنيها.
وإجمالًا تكشف الاحتجاجات الشعبية في إيران أن الأزمة أبعد من حدث عابر أو مطلب معيشي طارئ، حيث إنها أزمة حقوق إنسان بنيوية، تتغذى على انسداد الأفق السياسي وغياب آليات المحاسبة، ومع كل جولة قمع، تتسع الفجوة بين السلطة والمجتمع، ويزداد الإحساس بأن الإصلاح من الداخل بات مؤجلًا، إن لم يكن مستحيلاً.
أساليب قمعية فاشية
بصوت يثقله الألم عبر مدير مركز الدراسات العربية والإيرانية في لندن، الدكتور علي نوري زاده، في حديثه لـ"جسور بوست"، عن صدمة عميقة مما تشهده بلاده، قائلاً إن متابعته للأحداث خلال الأيام الثلاثة الماضية لم تكن مجرد متابعة إخبارية، بل تجربة إنسانية قاسية لم يستطع معها حبس دموعه التي كانت تنهمر بلا إرادة كلما تابع مشاهد القتل والدمار.
وكشف نوري زاده عن حصيلة وصفها بـ"المفزعة"، مشيرًا إلى سقوط نحو 12 ألف قتيل خلال ثلاثة أيام فقط، في رقم صادم يعكس، بحسب تعبيره، حجم الجريمة المرتكبة بحق المدنيين، مؤكداً أن هذا المستوى من القتل في زمن قصير لم تشهده حتى أكثر الأنظمة قسوة في تاريخ المنطقة.
وانتقد نوري زاده بشدة نظام "ولاية الفقيه"، معتبراً أن القيادة السياسية في البلاد، وعلى رأسها علي خامنئي، تتحمل المسؤولية المباشرة عما يجري، ومشيراً إلى أن القرارات الصادرة من أعلى هرم السلطة قادت إلى ما وصفه بإبادة جماعية بحق الشعب الإيراني.
وفي توصيفه لطريقة التعامل مع الاحتجاجات، قال إن النظام واجه مطالب سلمية بالتغيير باستخدام القوة العارية، معتمداً أساليب قمعية وصفها بأنها فاشية، حيث جرى إطلاق النار بالأسلحة الثقيلة على متظاهرين عُزل لم يحملوا سوى أصواتهم ورغبتهم في التغيير دون إراقة دماء، مضيفاً بأسف أن النتيجة كانت مجازر مفتوحة في الشوارع.
وعلى الصعيد الميداني والقانوني، أوضح أن البلاد تعيش فعلياً تحت حكم عرفي فُرض رغم تعارضه مع الدستور الإيراني نفسه، مشيراً إلى أن هذا الوضع طبق في 143 مدينة و20 محافظة، ما يعكس حجم التضييق الشامل على الحياة العامة وحقوق المواطنين.
أما بشأن الموقف الدولي، فتوقف نوري زاده عند التصريحات الأمريكية، لافتاً إلى أن كلمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تركت صدى لدى الشارع الإيراني الذي رأى فيها التزاماً أخلاقياً بدعم الشعب في محنته، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الإيرانيين لا يطالبون بتدمير بلادهم أو بتدخل عسكري أجنبي، بل يتطلعون إلى استخدام النفوذ الدولي لمنع استمرار القتل الجماعي.
وأكد أن أحد أشكال الدعم الأكثر إلحاحاً يتمثل في إعادة خدمة الإنترنت التي حُرم منها المواطنون، ما زاد من عزلتهم وحجب معاناتهم عن العالم، مستعيداً ذكريات العنف في تاريخ النظام، ولا سيما المجازر التي وقعت في السجون بعد سنوات من وصول الخميني إلى السلطة، حين قُتل نحو 10 آلاف شخص خلال ثلاثة أشهر، معتبرًا أن ما يحدث اليوم أشد قسوة، إذ يُقتل آلاف المدنيين العزل خلال أيام قليلة فقط.
وأشار إلى حالة الترقب داخل البلاد، حيث ينتظر الإيرانيون وفاء المجتمع الدولي -وخصوصاً الولايات المتحدة- بتعهداته المعلنة، وسط شعور متزايد بأن الشارع تُرك وحيداً في مواجهة آلة القمع.
وفي ختام حديثه كشف نوري زاده عن ممارسات صادمة بحق أسر الضحايا، إذ تُحتجز الجثامين، ويُطلب من العائلات دفع مبالغ خيالية مقابل تسلم جثث أبنائهم، في مشهد وصفه بأنه يبلغ ذروة الوحشية واللاإنسانية، متسائلًا بمرارة: كيف يمكن لمثل هذه الأفعال أن تُرتكب في القرن الحادي والعشرين؟
وبرسالة تحمل في طياتها تضامناً وأملاً، تمنى نوري أن يصل صوته بوصفه صوتاً حراً إلى الشعب الإيراني وإلى شعوب المنطقة، معبرًا عن إيمانه بأن معاناة الإيرانيين لن تذهب سدى، وأن لحظة الانتصار الشعبي، مهما طال انتظارها، لا بد أن تأتي.
مرحلة اللاعودة
بدورها رأت المحللة السياسية المتخصصة في الشأن الإيراني، منى سيلاوي، في حديثها لـ"جسور بوست"، أن ما يميز النظام الإيراني هو درجة التماسك غير المسبوقة بين أركانه في مواجهة شعبه، معتبرة أن هذا التماسك لا يقوم على إدارة الأزمات أو البحث عن حلول، بل على الاتفاق الكامل على القمع.
وأشارت سيلاوي إلى أنه حتى في تجارب قمعية أخرى بالمنطقة، مثل الحالة السورية مع اندلاع الثورة، شهدت بنية النظام تصدعات وانشقاقات داخلية، في حين يبدو المشهد في إيران مختلفًا، حيث تتوحد مراكز القرار والأجهزة الأمنية في ممارسة العنف ضد المواطنين.
وأكدت أن أولوية البقاء في السلطة تتقدم لدى النظام على حياة الناس وحقوقهم، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل حقوق الإنسان، خاصة في ظل وضع قانوني هش يسمح بتغوّل الأجهزة الأمنية ويفتقر إلى أي ضمانات حقيقية لحماية المدنيين.
واتهمت النظام الإيراني بتشغيل آلة الحرب في شوارع المدن، مستخدماً الأسلحة الثقيلة والرشاشات والرصاص الحي في مواجهة متظاهرين عُزل، مشيرة إلى أن هذه السياسة تقوم على منطق الترهيب الجماعي، حيث يُراد لقتل المئات في مدينة واحدة أن يكون رسالة ردع لبقية المدن، لدفع الناس إلى التراجع والعودة إلى منازلهم تحت وطأة الخوف.
ورغم شدة القمع، ترى سيلاوي أن هذا النهج لا يؤدي إلا إلى دفع المجتمع نحو ما تصفه بـ"مرحلة اللاعودة"، مؤكدة أن الأسباب التي دفعت الناس إلى الشارع لم تُعالج ولا تزال قائمة، من أزمات اجتماعية واقتصادية خانقة، إلى انسداد سياسي وتدخل واسع في تفاصيل حياة المواطنين اليومية.
وخلصت المحللة السياسية إلى أن إخماد الاحتجاجات، إن حدث مؤقتاً، لن يعني نهايتها، بل مجرد تأجيل لانفجار جديد، واصفة النظام الإيراني بأنه كـ"جسد مريض يواصل إنكار علته"، معتبرة أنه يرفض حتى الآن التعامل مع شعبه بوصفه طرفاً يستحق الاستماع لا القمع، والحوار لا الرصاص.
مرآة تعكس الهشاشة
ومن جانبه أكد المختص في الشأن الإيراني، وجدان عفراوي، في حديثه لـ"جسور بوست"، أن إيران تقف اليوم على حافة انفجار حقيقي، في ظل استمرار الجرائم التي يرتكبها النظام بحق مواطنيه، معتبراً أن الاحتجاجات الشعبية الأخيرة لم تكن سوى مرآة عاكسة للهشاشة العميقة التي تعانيها الأوضاع الحقوقية داخل البلاد.
وأوضح عفراوي أن الأنظمة التي تراهن على القمع والقتل، بوصفهما وسيلتين للبقاء في السلطة، تعيش وهم الانتصار، مؤكداً أنه لا يمكن لأي نظام أن يدعي النصر وهو يوجه سلاحه إلى صدور شعبه؛ لأن قتل المواطنين لا يصنع شرعية ولا يرسخ حكماً، بل يسرع من نهايته.
وأشار إلى أن النظام الإيراني، وإن ظن أن بإمكانه فرض استمراريته عبر مواجهة الشارع بهذه الوحشية، قد خسر بعد المجازر التي ارتُكبت في مختلف المدن والمحافظات رصيده الأساسي وعمقه الحقيقي المتمثل في الشعب. فبحسب تعبيره، لم تعد السلطة تستند إلى أي قبول مجتمعي، ما أفقدها شرعيتها السياسية والأخلاقية.
وأضاف عفراوي أن النظام بات معزولاً في الداخل، ولا يملك سوى أدوات العنف لإسكات المحتجين، محذراً من أن أي ضربة يتعرض لها قد تؤدي إلى انهيار سريع، في ظل غياب الحاضنة الشعبية والداعمين الحقيقيين، لافتاً إلى أن موقف الجيش الذي اختار الصمت يعكس مأزق السلطة، خاصة أن القوات القمعية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، لن تكون قادرة على الصمود طويلاً دون الارتكاز إلى شارع بات معادياً لها.
وعلى الصعيد الحقوقي، انتقد عفراوي ما وصفه بهشاشة القوانين وانهيار منظومة العدالة داخل إيران، مشيراً إلى أن التصريحات الصادرة عن المسؤولين، ومنهم رئيس السلطة القضائية، تعكس منطقاً انتقامياً لا قانونياً، مستشهداً بتصريح الأخير الذي قال فيه إن "بيننا وبين الشعب دماً"، في خطاب يعكس، بحسب عفراوي، سقوط مفهوم سيادة القانون بالكامل.
واعتبر أن مثل هذه التصريحات تؤكد غياب حقوق الإنسان في الداخل الإيراني، وأن القوانين لم تعد تُستخدم لتنظيم المجتمع أو حماية المواطنين، بل تحولت إلى أدوات قمعية تهدف فقط إلى إطالة عمر النظام ولو لأيام معدودة.
وفيما يتعلق بمستقبل الاحتجاجات، رجح عفراوي استمرارها وقدرتها على تحقيق أهدافها، مستحضراً تجربة احتجاجات سبتمبر 2022 التي اندلعت على خلفية فرض الحجاب، ونجحت خلالها المرأة الإيرانية في فرض واقع جديد داخل المجتمع. ما يشير، بحسب قوله، إلى أن التغيير وإن بدا بطيئًا فإنه تراكمي ولا يمكن إيقافه بالقوة.
وشدد المختص في الشأن الإيراني على أن هذا النظام لا يملك مستقبلاً سياسياً، معتبراً أن زواله بات مسألة وقت، في ظل القطيعة الكاملة التي نشأت بين الشعب والسلطة، متوقعاً أن أي اهتزاز بسيط قد يكون كافياً لتفكيك بنية الحكم، وأن يحمل عام 2026 النهاية الحتمية لهذا النظام، في ضوء المعطيات الحالية والانفصال العميق بين الدولة ومجتمعها.











