الأمم المتحدة تحذر: أزمة ثلاثية تضرب أفغانستان وتدفع الملايين نحو الجوع والحرمان

الأمم المتحدة تحذر: أزمة ثلاثية تضرب أفغانستان وتدفع الملايين نحو الجوع والحرمان
نازحون في أفغانستان

تواجه أفغانستان واحدة من أخطر المراحل الإنسانية في تاريخها الحديث، في ظل تداخل أزمات متزامنة تضرب أساس الحياة اليومية لملايين السكان، وتدفع البلاد نحو مستقبل شديد القتامة، فالجفاف الممتد، وعودة ملايين اللاجئين، والنقص الحاد في التمويل الدولي، تشكل معاً أزمة ثلاثية الأبعاد تهدد الأمن الغذائي وتحد من الوصول إلى الخدمات الصحية والأساسية، وتضع المجتمع الأفغاني أمام تحديات غير مسبوقة.

في هذا السياق، حذرت الأمم المتحدة من أن الأوضاع الإنسانية في أفغانستان تشهد تدهوراً متسارعاً، مؤكدة أن الأزمة الحالية لم تعد أزمة واحدة يمكن احتواؤها، بل منظومة متشابكة من الضغوط التي تعمق معاناة السكان يوماً بعد يوم، وبحسب ما نقلته وكالة خاما برس الأفغانية السبت، قال منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في أفغانستان أندريكا راتوات إن الأزمة السياسية المستمرة في البلاد تحت حكم حركة طالبان تدفع ملايين الأفغان نحو صعوبات حادة تمس الغذاء والصحة وسبل العيش.

الجفاف يضرب العمود الفقري للاقتصاد

أوضح راتوات أن الجفاف المطول الذي تشهده أفغانستان أصاب نحو 70% من السكان الذين يعتمدون بشكل مباشر على الزراعة، وهو ما قوض بصورة كبيرة الأمن الغذائي في مختلف أنحاء البلاد، ومع تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار المواد الغذائية، تجد الأسر نفسها عاجزة عن تلبية أبسط احتياجاتها اليومية، خاصة في المناطق الريفية التي تعتمد كلياً على الزراعة بوصفها مصدراً للدخل والغذاء.

وأشار مسؤولون إنسانيون إلى أن آثار الجفاف لا تقتصر على نقص الغذاء فقط، بل تمتد لتشمل فقدان سبل العيش، وزيادة معدلات سوء التغذية، وتفاقم الفقر، ما يدفع المزيد من العائلات إلى اتخاذ خيارات قاسية، مثل إخراج الأطفال من المدارس أو تزويج الفتيات في سن مبكرة.

عودة اللاجئين تضاعف الضغوط

إلى جانب الجفاف، تواجه أفغانستان تحدياً إضافياً يتمثل في عودة نحو 3.5 مليون مهاجر من إيران وباكستان خلال فترة قصيرة نسبياً، وهذه العودة الجماعية التي جاءت في ظل أوضاع اقتصادية وخدمية هشة، زادت من الضغط على المجتمعات المحلية التي تعاني أصلاً من شح الموارد، وكثير من العائدين وجدوا أنفسهم بلا مأوى أو مصدر دخل، ما جعلهم يعتمدون بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية المحدودة.

وتؤكد وكالات الإغاثة أن المجتمعات المستضيفة غير قادرة على استيعاب هذا العدد الكبير من العائدين، في ظل غياب فرص العمل وضعف البنية التحتية، وهو ما يهدد بتفجر أزمات اجتماعية جديدة ويزيد من حدة التوتر داخل البلاد.

أزمة تمويل تخنق الاستجابة الإنسانية

تتفاقم هذه التحديات في ظل أزمة تمويل عالمية أثرت بشكل مباشر في حجم ونطاق المساعدات المقدمة لأفغانستان، وقال راتوات إن الأمم المتحدة لم تتلقَّ سوى 37% من التمويل المطلوب ضمن مناشداتها الإنسانية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الخدمات المقدمة للسكان، ونتيجة لذلك، تم إغلاق 400 منشأة صحية و300 مركز تغذية في مختلف أنحاء البلاد، ما حرم ملايين الأفغان من الرعاية الصحية الأساسية والعلاج المنقذ للحياة.

وتحاول وكالات الإغاثة الدولية جاهدة الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات، إلا أن تراجع إسهامات المانحين وصعوبة العمل الميداني في ظل القيود المفروضة، يجعلان المهمة أكثر تعقيداً مع مرور الوقت.

الصحة والتعليم في مهب الريح

أدى نقص التمويل إلى انهيار تدريجي في النظام الصحي الهش أصلاً، حيث باتت المستشفيات والمراكز الصحية تعاني من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، إضافة إلى عجزها عن دفع رواتب العاملين، وفي الوقت نفسه، يعاني قطاع التعليم من تراجع حاد، خاصة بالنسبة للفتيات، ما ينذر بجيل كامل محروم من فرص التعلم والتنمية.

وتحذر الأمم المتحدة من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات التي يمكن الوقاية منها، خاصة بين الأطفال والنساء، ويقوض أي فرص للتعافي على المدى المتوسط أو الطويل.

توقعات قاتمة 

في تقييم منفصل، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن أفغانستان ستظل واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم خلال عام 2026، مستشهداً بعدم الأمن الغذائي والصدمات المناخية المستمرة وعودة المهاجرين، إضافة إلى الاستبعاد الممنهج للنساء من الحياة العامة، وأكد المكتب أن هذه العوامل مجتمعة تشكل بيئة شديدة الهشاشة، تجعل ملايين الأفغان عرضة للجوع والمرض والنزوح الداخلي.

تأتي هذه الأوضاع في ظل سياسات تفرضها حكومة طالبان التي تولت السلطة بعد انسحاب الولايات المتحدة والقوات الدولية في عام 2021، فقد منعت السلطات النساء من تولي العديد من الوظائف، وحرمت الفتيات من التعليم المتوسط والعالي، وحظرت عليهن ارتياد الحدائق العامة، وفرضت عليهن قيوداً صارمة تتعلق بالزي والحركة، وترى منظمات حقوقية وإنسانية أن هذه الإجراءات لا تمثل انتهاكاً لحقوق النساء فقط، بل تؤثر بشكل مباشر في قدرة المجتمع بأكمله على الصمود والتعافي.

انعكاسات إنسانية عميقة

يحذر العاملون في المجال الإنساني من أن النساء اللواتي يشكلن العمود الفقري للأسر والمجتمعات المحلية باتت قدرتهن على الإسهام في الاقتصاد والرعاية الصحية والتعليم شبه معدومة، ما يضاعف من معاناة الأسر ويقوض شبكات الأمان الاجتماعي التقليدية.

تعتمد أفغانستان بشكل كبير على المساعدات الدولية منذ عقود، نتيجة سنوات طويلة من الصراع المسلح وعدم الاستقرار السياسي والانهيار الاقتصادي، وبعد عام 2021، تراجعت المساعدات الخارجية بشكل حاد، بالتوازي مع فرض قيود سياسية واجتماعية زادت من عزلة البلاد، ويواجه أكثر من نصف السكان مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، في حين يعاني ملايين الأطفال من سوء التغذية الحاد، ومع استمرار الجفاف وتراجع التمويل وغياب حلول سياسية شاملة، تبدو أفغانستان اليوم أمام مفترق طرق حاسم، حيث يتوقف مستقبل الملايين على قدرة المجتمع الدولي على التحرك السريع، وعلى استعداد السلطات المحلية لتخفيف القيود التي تعمق الأزمة الإنسانية يوماً بعد يوم.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية