الأمم المتحدة تدعو لوضع حقوق الإنسان في قلب مسار السلام وانهاء الحرب بالسودان
الأمم المتحدة تدعو لوضع حقوق الإنسان في قلب مسار السلام وانهاء الحرب بالسودان
في وقت تتواصل فيه الحرب في السودان مخلِّفة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في المنطقة، شدد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، اليوم الاثنين، على أن أي مساعٍ لإنهاء القتال وبناء سلام دائم ستبقى ناقصة ما لم توضع حقوق الإنسان في صميمها وإنهاء الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون، مؤكداً الحاجة الملحة لتحرك عاجل من الأطراف الإقليمية والدولية القادرة على التأثير في مسار النزاع.
وقال فولكر تورك، بحسب تصريحات أدلى بها في العاصمة الكينية نيروبي عقب زيارة استمرت 5 أيام إلى السودان، إن ما شاهده على الأرض يعكس مأساة إنسانية عميقة تتجاوز حدود الوصف، وأكد أن المجتمع الدولي مطالب بتحمل مسؤولياته، داعيا جميع أصحاب النفوذ، بمن فيهم الفاعلون الإقليميون، إلى التحرك الفوري لإنهاء الحرب ووضع حد لمعاناة المدنيين، وفق شبكة "thenationalnews".
فظائع الحرب وصمود الإنسان
وأضاف تورك أن زيارته للسودان كشفت عن فظائع وحشية لا توصف عانى منها الشعب السوداني، من قتل وتدمير ونزوح واسع النطاق، لكنه في الوقت نفسه لمس صمودا استثنائيا للروح الإنسانية وقدرتها على التحدي في أحلك الظروف، وأشار إلى أن هذا التناقض بين العنف المفرط وقوة الإرادة الإنسانية يلخص المشهد السوداني الراهن.
وأعرب المفوض السامي عن استنكاره الشديد لاستخدام العنف الجنسي كسلاح في النزاع، معتبرا أن هذه الجرائم لا تترك فقط جروحا جسدية ونفسية عميقة، بل تمزق النسيج الاجتماعي على المدى الطويل، وأكد أن الإفلات من العقاب في مثل هذه الجرائم يفتح الباب أمام تكرارها، ويقوض أي فرصة لتحقيق مصالحة حقيقية في المستقبل.
لقاءات مع المجتمع المدني
وخلال زيارته، التقى تورك مع شرائح مختلفة من المجتمع السوداني، من بينهم نشطاء وشباب يشاركون في تنظيم وتقديم المساعدات الإنسانية لمجتمعاتهم المحلية، وأشاد بدور هؤلاء الشباب الذين يعملون في ظروف بالغة الخطورة، مشيرا إلى أنهم باتوا أكثر عرضة للاعتقال والعنف بسبب نشاطهم الإنساني، في ظل غياب الحماية الكافية.
وأوضح تورك أن هؤلاء المتطوعين يشكلون العمود الفقري للاستجابة الإنسانية في كثير من المناطق، حيث يسدون فراغا خلفه انهيار مؤسسات الدولة وتعطل الخدمات الأساسية، لكنه حذر من أن استهدافهم أو التضييق عليهم يهدد بقطع شريان حيوي تعتمد عليه آلاف الأسر للبقاء على قيد الحياة.
وفي سياق متصل، أشار المفوض السامي إلى أن البنية التحتية في السودان تعرضت مرارا وتكرارا لهجمات بطائرات مسيرة أطلقتها قوات الدعم السريع، بما في ذلك خلال الأسابيع الأخيرة، وأكد أن هذه الهجمات طالت منشآت مدنية حيوية، ما أدى إلى تعطيل الخدمات الأساسية وزيادة معاناة السكان.
انتهاكات قد ترقى لجرائم حرب
وشدد تورك على أن استهداف البنية التحتية المدنية يشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة، ودعا إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة لضمان عدم إفلات المسؤولين عن هذه الانتهاكات من العقاب.
وأكد المفوض السامي أن تجاهل ملف حقوق الإنسان في أي تسوية سياسية لن يؤدي إلا إلى سلام هش قابل للانهيار، وقال إن التجارب السابقة في مناطق نزاع مختلفة أثبتت أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق دون عدالة ومحاسبة واحترام لكرامة الإنسان.
دعوة لتحرك إقليمي ودولي
ودعا تورك الأطراف الإقليمية والدولية إلى استخدام نفوذها للضغط من أجل وقف القتال في السودان، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وحماية المدنيين، خصوصا النساء والأطفال، وأكد أن استمرار الصمت أو الاكتفاء ببيانات القلق يساهم في إطالة أمد المأساة.
ومنذ اندلاع النزاع، يعيش ملايين السودانيين أوضاعا إنسانية بالغة القسوة، مع تفشي الجوع، وانهيار النظام الصحي، ونزوح أعداد هائلة داخل البلاد وخارجها، ومع تكرار الهجمات على البنية التحتية، تتقلص فرص التعافي، وتتعمق آثار الحرب على المدى الطويل.
أصوات الضحايا
وأشار تورك إلى أنه استمع خلال زيارته لشهادات مؤلمة من ضحايا العنف، تعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشها المدنيون، وقال إن هذه الأصوات يجب أن تكون حاضرة في أي نقاش سياسي حول مستقبل السودان، لأنها تمثل الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها.
وحذر المفوض السامي من أن استمرار النزاع دون أفق سياسي واضح سيقود إلى مزيد من الانتهاكات، ويهدد استقرار المنطقة بأسرها، وأكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لاتخاذ خطوات جادة توقف الانحدار نحو كارثة أعمق.
يشهد السودان منذ اندلاع الحرب صراعا مسلحا أدى إلى انهيار واسع في مؤسسات الدولة والبنية التحتية، وتسبب في واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، وتشير تقارير أممية إلى انتشار واسع لانتهاكات حقوق الإنسان، تشمل القتل خارج نطاق القانون، والعنف الجنسي، والتجنيد القسري، واستهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، ومع تعطل الخدمات الأساسية ونزوح ملايين الأشخاص، يعتمد السكان بشكل متزايد على مبادرات محلية يقودها متطوعون وشباب، وفي ظل هذا الواقع، تحذر الأمم المتحدة من أن غياب حل سياسي شامل قائم على احترام حقوق الإنسان والمساءلة سيجعل أي سلام محتمل هشا وغير قابل للاستمرار، ما يضع السودان أمام مفترق طرق تاريخي بين الانهيار المتواصل أو بداية مسار طويل نحو التعافي والعدالة.











