بين الجوع والضربات الجوية.. واشنطن ترفع الحظر عن مساعدات الصومال
بين الجوع والضربات الجوية.. واشنطن ترفع الحظر عن مساعدات الصومال
أعلنت الولايات المتحدة عزمها رفع الحظر المفروض على المساعدات المقدمة إلى الصومال، في خطوة تعيد ملف الإغاثة الإنسانية إلى الواجهة بعد أسابيع من التوتر بين واشنطن ومقديشو، وجاء القرار في سياق معقد تتداخل فيه الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات الأمنية، في بلد يعاني من أوضاع معيشية قاسية وصراع مستمر منذ سنوات، ما يجعل أي تأخير في المساعدات مسألة حياة أو موت لملايين السكان الصوماليين.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية، في بيان أمس الأربعاء، إنها تعتزم رفع تعليق المساعدات بعد تأكيدها أن السلطات الصومالية أعلنت مسؤوليتها عن الأعمال التي وقعت مطلع شهر يناير وأسفرت عن عرقلة عمليات المساعدات الإنسانية، وأشارت واشنطن إلى أن هذه الخطوة جاءت عقب تواصل مع الحكومة الصومالية بشأن ما حدث في ميناء مقديشو، والذي أدى إلى وقف مؤقت للمساعدات، وفي مقدمتها شحنات برنامج الأغذية العالمي وفق وكالة أنباء أسوشيتد برس.
غموض صومالي حول المسؤولية
ورغم بيان الإدارة الأمريكية، لم تؤكد الحكومة الصومالية رسميا تحملها مسؤولية ما جرى، كما لم تصدر أي توضيحات مباشرة بشأن طبيعة الاعتراف الذي تحدثت عنه واشنطن، ولم ترد الحكومة على طلب للتعليق من وكالة أسوشيتد برس، ما أبقى باب التساؤلات مفتوحا حول حقيقة ما دار بين الطرفين، وحول ما إذا كان الخلاف قد حسم بشكل كامل أم لا يزال قائما خلف الكواليس.
كما لم يتضح على الفور موعد استئناف المساعدات فعليا، وهو أمر يثير قلق المنظمات الإنسانية التي تحذر من أن أي تأخير إضافي قد يؤدي إلى تفاقم معاناة الفئات الأشد ضعفا، خصوصا الأطفال والنازحين داخليا.
قرار تعليق المساعدات
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت في السابع من يناير تعليق جميع المساعدات للحكومة الاتحادية في الصومال، على خلفية ما وصفته بتدمير مسؤولين صوماليين مخزنا يموله الجانب الأمريكي لصالح برنامج الأغذية العالمي في ميناء مقديشو، وأفادت واشنطن حينها بمصادرة مساعدات غذائية تقدر بنحو 82 طنا، ما اعتبرته انتهاكا خطيرا يعرقل جهود الإغاثة.
في المقابل، نفت وزارة الخارجية الصومالية تلك الاتهامات، مؤكدة أن أعمال التوسعة والبناء التي جرت في الميناء لم تؤثر على حفظ أو توزيع المساعدات الإنسانية، وأن ما حدث أسيء تفسيره، وهذا التباين في الروايات عكس هشاشة الثقة بين الطرفين، وأثار مخاوف من أن تتحول المساعدات إلى ورقة ضغط سياسي.
المساعدات في بلد على حافة المجاعة
ويعتمد الصومال بشكل كبير على المساعدات الدولية لتأمين الغذاء لملايين المواطنين الصوماليين، في ظل موجات جفاف متكررة، وضعف البنية الاقتصادية، واستمرار الهجمات الإرهابية، وتشير تقارير أممية إلى أن انقطاع أو تأخير المساعدات قد يدفع بمناطق كاملة نحو حافة المجاعة، خاصة في الأقاليم الريفية والمخيمات التي تضم نازحين فروا من القتال.
وترى منظمات إنسانية أن رفع الحظر الأمريكي خطوة إيجابية، لكنها غير كافية ما لم تتبعها إجراءات عملية وسريعة لضمان وصول المساعدات دون عوائق، وبعيدا عن التجاذبات السياسية والأمنية.
التصعيد العسكري الأمريكي
بالتوازي مع ملف المساعدات، تواصل الولايات المتحدة تصعيد عملياتها العسكرية في الصومال ضد الجماعات المسلحة، فقد أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا أفريكوم أن واشنطن كثفت وتيرة ضرباتها الجوية هذا العام ضد حركة الشباب وتنظيم داعش، في إطار ما وصفته بحملة أوسع لمكافحة الإرهاب في القرن الإفريقي.
وذكرت المتحدثة باسم أفريكوم الرائد ماهاليا فروست أن القوات الأمريكية نفذت منذ الأول من يناير الجاري 23 ضربة جوية في الصومال، موضحة أن هذه العمليات تستهدف عناصر مرتبطة بتنظيم داعش، وتشمل أيضا ضربات موجهة ضد حركة الشباب، وأكدت أن هذه الزيادة تعكس أولوية مكافحة التنظيمات المتطرفة التي تهدد الاستقرار الإقليمي.
استمرار نهج عسكري طويل الأمد
وبدأت الولايات المتحدة استهداف حركة الشباب في الصومال منذ منتصف العقد الأول من الألفية، مع تصاعد نفوذ الحركة وتوسع عملياتها داخل البلاد وخارجها، وخلال السنوات الماضية، باتت الضربات الجوية أحد أبرز أدوات واشنطن في التعامل مع التهديدات الأمنية في الصومال، إلى جانب دعم القوات الحكومية والشركاء الدوليين.
وخلال ولايته الأولى، كثف الرئيس دونالد ترامب بصورة كبيرة العمليات العسكرية في الصومال، حيث أمر بتنفيذ 219 ضربة جوية وعمليات برية خلال أربعة أعوام، مقارنة بـ48 ضربة فقط خلال عهد الرئيس باراك أوباما على مدى ثمانية أعوام، وفق بيانات مركز الأبحاث الأمريكي نيو أميركا، كما أشار المركز إلى أن ترامب أمر بتنفيذ ما لا يقل عن 143 ضربة إضافية منذ بدء ولايته الثانية.
الواقع الأمني على الأرض
من جهتها، أعلنت وزارة الدفاع الصومالية مطلع العام الجاري أن القوات المسلحة تمكنت من القضاء على 29 مسلحا من حركة الشباب في منطقة جاباد غوداني بإقليم شبيلي الوسطى، وذلك بالتنسيق مع شركاء دوليين. ويأتي هذا الإعلان في إطار حملة عسكرية مستمرة تهدف إلى تقليص نفوذ الحركة التي تخوض تمردا مسلحا منذ عام 2007.
وتسعى حركة الشباب إلى السيطرة على السلطة في الصومال وإقامة نظام حكم يستند إلى تفسيرها المتشدد للشريعة الإسلامية، وقد نفذت خلال السنوات الماضية هجمات دامية استهدفت مدنيين ومؤسسات حكومية وقوات دولية.
قلق إنساني وترقب دولي
ويتابع المجتمع الدولي بقلق تطورات ملف المساعدات في الصومال، خاصة مع اعتماد عدد كبير من السكان على الدعم الخارجي للبقاء، ويأمل مراقبون أن يسهم رفع الحظر الأمريكي في إعادة الزخم لعمليات الإغاثة، وأن يشكل حافزا لتعزيز التنسيق بين الحكومة الصومالية وشركائها الدوليين.
في المقابل، تبقى المخاوف قائمة من أن تتكرر الخلافات حول إدارة المساعدات، أو أن تتأثر بالاعتبارات الأمنية والسياسية، ما قد يضع المدنيين مجددا في قلب الأزمة.
يعاني الصومال منذ أكثر من 3 عقود من صراعات داخلية وعدم استقرار سياسي، ما أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة وانتشار الفقر والجوع، ورغم تشكيل حكومة اتحادية معترف بها دوليا، لا تزال مساحات واسعة من البلاد تعاني من انعدام الأمن بسبب نشاط الجماعات المسلحة، وعلى رأسها حركة الشباب، ويعتمد الصومال بشكل كبير على المساعدات الدولية لتلبية الاحتياجات الأساسية، في ظل اقتصاد هش وبنية تحتية مدمرة، وفي هذا السياق، تمثل أي عرقلة للمساعدات تهديدا مباشرا لحياة الملايين، فيما تبقى التحديات الأمنية عاملا حاسما في رسم سياسات الدول الداعمة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.










