من أزمة إلى مورد.. الأمم المتحدة تدعو لتغيير جذري في إدارة المياه الأفغانية

من أزمة إلى مورد.. الأمم المتحدة تدعو لتغيير جذري في إدارة المياه الأفغانية
أزمة المياه في أفغانستان

في بلد يواجه واحدة من أشد أزمات شح المياه في العالم، تبرز دعوات أممية لاعتماد حلول مبتكرة تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمياه، حيث تقف أفغانستان، التي تعاني من تراجع الموارد المائية وتزايد آثار التغير المناخي، اليوم أمام خيار استراتيجي يتمثل في الانتقال من إدارة تقليدية للأزمات إلى تبني نهج مستدام يعالج جذور المشكلة ويعزز قدرة المدن والقرى على الصمود.

وأكد برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية أن تنفيذ نهج المناطق الإسفنجية يمثل خطوة ضرورية لإدارة المياه في أفغانستان، مشيرا إلى أن هذا الأسلوب الحديث يمكن أن يشكل جزءا أساسيا من الحل لأزمة شح المياه التي تعاني منها البلاد، وأوضح البرنامج أن الفكرة تقوم على إبطاء تدفق مياه الأمطار وزيادة قدرتها على التسرب إلى التربة، بدلا من فقدانها عبر الجريان السطحي أو التبخر، وفق ما أوردته الخميس شبكة "أفغانستان إنترناشيونال".

من المياه كخطر إلى المياه كفرصة

وأوضح البرنامج الأممي، في منشور له على منصة “إكس”، أن إنشاء المناطق الإسفنجية يسهم في بناء بيئات حضرية وريفية أكثر خضرة وبرودة وقدرة على الصمود، ويعتمد هذا النهج على تغيير النظرة التقليدية للمياه، حيث لا ينظر إليها بوصفها تهديدا أو عبئا، بل موردا قيما يمكن توظيفه لدعم الزراعة، وتوسيع المساحات الخضراء، وبناء مدن قادرة على مواجهة التحديات المناخية المتزايدة.

ويرى خبراء أن هذا التحول المفاهيمي بالغ الأهمية في بلد مثل أفغانستان، حيث تتسبب الفيضانات الموسمية في خسائر كبيرة، بينما تعاني مناطق واسعة في الوقت نفسه من الجفاف ونقص المياه الصالحة للاستخدام.

تخفيف أزمة المياه في كابول

وبحسب توصيات البرنامج، فإن تطبيق نهج المناطق الإسفنجية عبر توجيه تدفقات المياه وتخزينها في الطبقات الجوفية يمكن أن يخفف من حدة أزمة نقص المياه، خاصة في العاصمة كابول التي تشهد نموا سكانيا سريعا وضغطا متزايدا على مواردها المحدودة.

ويشير البرنامج إلى أن اعتماد أنظمة زراعية متكاملة مع الأشجار، إلى جانب تصميم مسارات مخصصة لتوجيه المياه، يشكل عنصرا محوريا في هذا النهج، وتشمل هذه المسارات استخدام الغابات والمروج والأراضي الرطبة، فضلا عن إنشاء ساحات مخصصة للفيضانات ومساحات خضراء داخل المدن، بما يسمح باحتجاز مياه الأمطار ومنع هدرها.

حلول طبيعية لتعزيز النفاذية

وأضاف البرنامج أن إعادة تأهيل الأنهار والقنوات الضحلة، مع تغطيتها بالنباتات، يسهم في إدارة المياه وتوجيهها بشكل مضبوط وآمن، ويقلل من مخاطر الفيضانات المفاجئة، كما تعمل صفوف الأشجار والشجيرات والغطاء النباتي للتربة على زيادة نفاذية الأرض، ما يساعد على امتصاص المياه والحد من جريان السيول.

ويرى مختصون في التخطيط الحضري أن هذه الحلول الطبيعية أقل كلفة على المدى الطويل مقارنة بالمشاريع الخرسانية التقليدية، فضلا عن كونها أكثر انسجاما مع البيئة المحلية.

أثر متعدد الأبعاد للمناطق الإسفنجية

وأكد برنامج الأمم المتحدة للتنمية الحضرية المستدامة أن فوائد هذه الأساليب لا تقتصر على جمع المياه وتخزينها فحسب، بل تمتد لتشمل خفض درجات حرارة المدن، وتحسين جودة الهواء، وتعزيز النظم البيئية المحلية، كما تسهم هذه الحلول في زيادة قدرة المدن والقرى على الصمود في مواجهة موجات الجفاف والأمطار الغزيرة التي باتت أكثر تكرارا نتيجة التغير المناخي.

ويشير البرنامج إلى أن المساحات الخضراء الناتجة عن هذا النهج تلعب دورا اجتماعيا أيضا، من خلال تحسين جودة الحياة، وتوفير أماكن عامة للسكان، وتعزيز الترابط المجتمعي.

تحديات التطبيق على أرض الواقع

ورغم أهمية هذا النهج، يواجه تطبيقه في أفغانستان تحديات كبيرة، في مقدمتها ضعف البنية التحتية، ونقص التمويل، وغياب التخطيط الحضري المستدام في كثير من المدن، كما تشكل الأوضاع السياسية والاقتصادية عاملا معقدا قد يعرقل تنفيذ مشاريع طويلة الأمد تتطلب تنسيقا مؤسسيا واستثمارات مستمرة.

ويؤكد خبراء أن نجاح هذه المبادرات يتطلب شراكة حقيقية بين السلطات المحلية، والمنظمات الدولية، والمجتمعات المحلية، لضمان تصميم حلول تتناسب مع الواقع الجغرافي والاجتماعي للبلاد.

المجتمعات المحلية في قلب الحل

ويرى البرنامج الأممي أن إشراك المجتمعات المحلية عنصر أساسي في نجاح نهج المناطق الإسفنجية، فالمزارعون وسكان المدن على حد سواء يمكن أن يلعبوا دورا محوريا في إدارة المياه، من خلال ممارسات بسيطة مثل الحفاظ على الغطاء النباتي، وعدم ردم المجاري الطبيعية للمياه، والاستفادة من مياه الأمطار في الزراعة والاستخدامات اليومية.

ويؤكد مختصون أن بناء الوعي المجتمعي بأهمية هذا النهج يسهم في استدامته، ويحول إدارة المياه من مسؤولية حكومية بحتة إلى جهد جماعي.

أفغانستان والتغير المناخي

وتأتي هذه الدعوة الأممية في وقت تواجه فيه أفغانستان آثارا متزايدة للتغير المناخي، تشمل موجات جفاف طويلة، وارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط هطول الأمطار، وقد أدت هذه الظواهر إلى تراجع الإنتاج الزراعي، وزيادة النزوح الداخلي، واشتداد المنافسة على الموارد المائية المحدودة.

ويحذر خبراء من أن تجاهل هذه التحديات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية، في بلد يعتمد جزء كبير من سكانه على الزراعة كمصدر رئيسي للرزق.

أفق جديد لإدارة المياه

ويعتبر نهج المناطق الإسفنجية، بحسب الأمم المتحدة، فرصة لإعادة التفكير في تخطيط المدن والقرى الأفغانية، بما يضمن إدارة أكثر كفاءة للمياه، ويحد من الخسائر الناجمة عن الكوارث الطبيعية، كما يشكل هذا النهج خطوة نحو تحقيق تنمية حضرية وريفية أكثر استدامة، قادرة على التكيف مع واقع مناخي متغير.

ويرى مراقبون أن تبني هذه الرؤية قد يمنح أفغانستان أداة عملية للتخفيف من أزماتها المائية، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والدعم الدولي اللازم.

تعاني أفغانستان منذ سنوات من أزمة حادة في الموارد المائية، تفاقمت بفعل التغير المناخي، والنمو السكاني، وضعف البنية التحتية، وتعتمد البلاد بشكل كبير على مياه الأمطار والأنهار الموسمية، ما يجعلها عرضة للجفاف والفيضانات في آن واحد، ومع تراجع الاستثمارات في إدارة المياه خلال العقود الماضية، باتت المدن الكبرى، وفي مقدمتها كابول، تواجه خطر نضوب المياه الجوفية، وفي هذا السياق، تبرز مبادرات الأمم المتحدة الداعية إلى اعتماد حلول قائمة على الطبيعة، مثل نهج المناطق الإسفنجية، بوصفها محاولة لدمج الاعتبارات البيئية مع التخطيط الحضري، وتوفير مسار أكثر استدامة لمستقبل المياه في أفغانستان.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية