بسبب أزمة تدني وانقطاع الرواتب.. صرخات استغاثة من أطباء ومعلمين في سوريا

بسبب أزمة تدني وانقطاع الرواتب.. صرخات استغاثة من أطباء ومعلمين في سوريا
احتجاجات المعلمين في سوريا

في ممرات المشافي وغرف الطوارئ في العاصمة السورية دمشق، يعمل الأطباء المقيمون والمتدربون لساعات طويلة دون أن يتقاضوا رواتبهم، فيما تتصاعد في الوقت نفسه إضرابات المعلمين في إدلب وحلب احتجاجا على تدني الأجور وغياب الحلول، في مشهد يعكس أزمة معيشية خانقة تضرب أحد أكثر القطاعات حساسية في البلاد؛ الصحة والتعليم، وسط صمت رسمي يزيد من شعور العاملين بالخذلان.

وبحسب ما أفاد به المرصد السوري لحقوق الإنسان الخميس، أطلق الأطباء المقيمون والمتدربون في مشافي الدراسات العليا التابعة لجامعة دمشق نداء استغاثة، بعد تأخر صرف مستحقاتهم المالية ورواتبهم الشهرية، في وقت لم تصدر فيه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التابعة للحكومة الانتقالية أي توضيحات بشأن أسباب التأخير أو موعد الصرف.

أطباء يعملون بلا مقابل

تقول مصادر المرصد إن حالة من الاستياء تتصاعد بين الكوادر الطبية الشابة التي تعمل بكامل طاقتها في الأقسام الجراحية والإسعافية، بينما لم يتلقَ الأطباء راتب شهر يناير حتى الآن، إضافة إلى حرمانهم من بدل طبيعة العمل لشهرين متتاليين.

وتروي إحدى الطبيبات المتدربات في أحد مشافي دمشق تفاصيل الوضع الصعب الذي يعيشه زملاؤها، مشيرة إلى أنهم لم يتقاضوا أجورهم منذ شهرين، وأن الراتب أساسا ضئيل ولا يكاد يغطي أدنى مقومات الحياة في ظل التضخم وارتفاع الأسعار في سوريا، وتضيف أن غياب أي توضيحات رسمية من إدارات المشافي أو الوزارة عمق الشعور بالإحباط والظلم، وأعطى انطباعا بأن كرامة الكادر الطبي لم تعد أولوية.

ويؤكد الأطباء أن مطالبهم تقتصر على حقوقهم الأساسية، وعلى رأسها صرف راتب شهر يناير كاملا مع البدلات المستحقة، وصرف بدل طبيعة العمل المتأخر عن شهر ديسمبر، إضافة إلى وضع آلية واضحة ومنتظمة لصرف الرواتب في الأشهر المقبلة، تضمن لهم الاستمرار في أداء واجبهم الإنساني.

تحذيرات من نزيف الكفاءات

يرى المرصد السوري أن حرمان الأطباء من مستحقاتهم المالية في ظل الانهيار الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة وأجور النقل في سوريا يضعهم أمام عجز حقيقي حتى عن الوصول إلى أماكن عملهم، ما يهدد استمرارية الخدمات الصحية.

ويحذر من أن استمرار تأخر الرواتب، رغم تدنيها أصلا، يشكل طردا غير مباشر للكفاءات الوطنية ويدفعها إلى الهجرة، في وقت تعاني فيه البلاد من نقص حاد في الأطباء والممرضين، ويؤكد أن إنصاف الأطباء ماديا ضرورة لضمان بقائهم في خدمة المرضى، بدل تركهم يواجهون وحدهم أعباء الحياة اليومية.

إضراب المعلمين يتسع

بالتوازي مع أزمة الأطباء، تتواصل إضرابات المعلمين في محافظتي إدلب وحلب، حيث يرفض الكادر التدريسي العودة إلى الدوام احتجاجا على تدني الرواتب وغياب الاستجابة لمطالبهم، وبلغ عدد المدارس المشاركة في الإضراب 1023 مدرسة، في مؤشر على اتساع رقعة الاحتجاجات داخل القطاع التعليمي بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

ويقول معلمون إن الإجراءات التي اتخذتها الجهات المعنية لم تُلَبِ مطالبهم، وإن النقابة الحالية غير مخولة باتخاذ قرارات حاسمة، لكونها معينة من الهيئة السياسية وليست منتخبة، ما يجعلها عاجزة عن تمثيل المعلمين أو الدفاع عن حقوقهم.

ويؤكد أحد المعلمين أن مطالبهم واضحة، وتتمثل في رفع الرواتب أو منحهم دعما شهريا مؤقتا باعتبارهم يعملون في مناطق منكوبة، إلى حين إصدار تشريعات جديدة تضمن دمجهم في مؤسسات الدولة السورية وتحسين أوضاعهم، ويضيف أن الإضراب سيستمر في حال عدم الاستجابة، لأنهم يرون أنه الطريق الوحيد المتبقي أمامهم.

توتر داخل المدارس

جاء الإضراب مع انطلاق الفصل الدراسي الثاني، بعد أكثر من شهر على انتهاء المهلة التي حددها المعلمون للاستجابة لمطالبهم، وفي 3 فبراير، رصد المرصد السوري احتجاجات للمعلمين في إدلب على تصريحات مدير التربية، الذي هدد المشاركين في الإضراب بإجراءات عقابية قد تصل إلى الفصل من العمل.

وأثارت تلك التصريحات غضبا واسعا في الأوساط التعليمية، حيث أقدم عدد من المعلمين على إزالته من مجموعة على تطبيق واتساب كانت مخصصة لمتابعة شؤون الإضراب، محذرين من تصعيد خطواتهم إذا استمرت سياسة الضغط والتهديد، خاصة مع تزايد أعداد المدارس المنضمة إلى الإضراب.

أزمة واحدة بوجهين

تكشف أزمتي الأطباء والمعلمين عن واقع معيشي واحد يثقل كاهل العاملين في القطاعات الأساسية داخل سوريا، فالعاملون في المستشفيات والمدارس يواجهون ضغوطا مالية ونفسية متزايدة، بينما تتراجع قدرتهم على تأمين احتياجاتهم اليومية، في ظل غياب حلول واضحة أو إجراءات سريعة.

ويرى مراقبون أن استمرار هذا الوضع قد ينعكس مباشرة على جودة الخدمات الصحية والتعليمية، مع تزايد احتمالات هجرة الكفاءات أو انسحابها من العمل، ما يهدد مستقبل جيل كامل يعتمد على هذه القطاعات الحيوية.

منذ اندلاع النزاع في سوريا عام 2011، تعرضت القطاعات الخدمية الأساسية، وعلى رأسها الصحة والتعليم، لانهيار واسع نتيجة الدمار ونقص التمويل وهجرة الكوادر المؤهلة، وتشير تقارير أممية إلى أن آلاف الأطباء والمعلمين غادروا البلاد خلال السنوات الماضية بحثا عن ظروف معيشية أفضل، ما أدى إلى نقص حاد في الكفاءات داخل المؤسسات العامة، ومع استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية، باتت الرواتب في القطاعين الصحي والتعليمي عاجزة عن تغطية الاحتياجات الأساسية، ما أدى إلى تصاعد الإضرابات والاحتجاجات، ويخشى خبراء من أن استمرار هذا الوضع دون إصلاحات مالية وإدارية عاجلة قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في مستوى الخدمات، ويهدد قدرة المؤسسات على أداء دورها في تلبية احتياجات السكان في مرحلة تعد من أكثر المراحل حساسية في تاريخ البلاد.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية