أزمة السكن.. مستأجرو أستراليا يواجهون ضغوطاً معيشية بين ارتفاع الإيجارات وجمود الأجور
أزمة السكن.. مستأجرو أستراليا يواجهون ضغوطاً معيشية بين ارتفاع الإيجارات وجمود الأجور
في منزل قديم تتسرب منه المياه وتتصدع جدرانه في ضواحي سيدني، يعيش “بات” مع ثلاثة من زملائه في ظروف قاسية، تعكس واقع آلاف المستأجرين في أستراليا الذين يواجهون ارتفاعا غير مسبوق في تكاليف السكن مقابل أجور لا تواكب هذا الارتفاع.. يوميات بات ليست مجرد قصة فردية، بل صورة مكثفة لأزمة وطنية تتفاقم عاما بعد عام.
وبحسب تقرير نشرته شبكة "إس بي إس" الأربعاء، فإن تجربة “بات” تسلط الضوء على الضغوط المتزايدة التي يعيشها المستأجرون في واحدة من أكثر أسواق الإسكان تكلفة في أستراليا، حيث باتت تكاليف الإيجار تلتهم جزءا متزايدا من دخول الأسر، حتى تلك التي يعمل أفرادها بدوام كامل.
منزل متهالك وإيجار مرتفع
يصف “بات” المنزل الذي يقيم فيه بأنه قديم ومتهالك، مع تسريبات في السقف وأبواب مكسورة وغسالة معطلة، ما اضطره وزملاءه إلى استخدام مغسلة عامة، كما ظهرت أضرار كبيرة في أساسات المنزل، وتفاقمت المشكلة عندما انهارت بعض البلاط في وقت سابق من العام، واستغرق إصلاحها شهرا كاملا.
عندما وصل السباك لفحص المشكلة، أبلغهم بأن المنزل غير آمن، ونصحهم بعدم استخدام الحمام أو الدش، ورغم ذلك، لم تُعالج معظم الأعطال، بل طُلب منهم دفع زيادة في الإيجار تبلغ 70 دولارا أسبوعيا، وهو ما دفعهم إلى رفض الزيادة وإنهاء عقد الإيجار.
أرقام تكشف عمق الأزمة
تجربة “بات” ليست حالة استثنائية، بل تعكس اتجاها عاما على مستوى أستراليا، حيث أظهر تحليل حديث لشركة الأبحاث العقارية Cotality أن الإيجارات على المستوى الوطني ارتفعت بنسبة 43.9 بالمئة خلال خمس سنوات حتى سبتمبر 2025، بينما لم تتجاوز زيادة الأجور 17.5 بالمئة خلال الفترة نفسها.
ويعني ذلك أن المستأجرين باتوا ينفقون في المتوسط 33.4 بالمئة من دخلهم قبل الضريبة على الإيجار، وهو أعلى مستوى على الإطلاق، مقارنة بمتوسط 29.2 بالمئة خلال العقد الماضي، ويعد السكن ميسورا عندما لا يتجاوز الإيجار 30 بالمئة من دخل الأسرة، ما يجعل الوضع الحالي خارج حدود القدرة المعيشية لكثير من المستأجرين.
فجوة متزايدة بين الإيجار والدخل
المدير البحثي في Cotality تيم لوليس أشار إلى أن ولاية غرب أستراليا سجلت أعلى نمو في الإيجارات، حيث ارتفعت بنسبة 66 بالمئة خلال خمس سنوات، في حين لم ترتفع الأجور سوى 18.5 بالمئة، ما وسع الفجوة بين تكاليف السكن والدخل.
في المقابل، كانت العاصمة الأسترالية السوق الوحيد الذي اقترب فيه نمو الأجور من نمو الإيجارات، وهو ما ساعد على الحد من تدهور القدرة على تحمل تكاليف السكن مقارنة ببقية أنحاء البلاد.
طلب يفوق العرض
التحليل أظهر أن الإيجارات استمرت في الارتفاع منذ منتصف 2025، نتيجة الطلب المرتفع الذي يفوق العرض المتاح من المساكن، وهو ما يجعل أي تراجع في الأسعار أمرا غير متوقع في المستقبل القريب.
ويرى الخبراء أن أزمة السكن لا تتعلق فقط بارتفاع الأسعار، بل أيضا بنقص المعروض من الوحدات السكنية، خاصة في المدن الكبرى مثل سيدني وملبورن، حيث يتنافس عدد كبير من المستأجرين على عدد محدود من المنازل.
حلول مطروحة ولكنها تحتاج وقتا
لوليس شدد على أن معالجة الأزمة تتطلب جهودا مشتركة بين الحكومة والقطاع العقاري والمستثمرين، عبر زيادة المعروض من خلال مشاريع البناء المخصصة للإيجار، وتحفيز الاستثمارات الخاصة، وإجراء إصلاحات في التخطيط العمراني تسمح بزيادة الكثافة السكنية في المناطق المناسبة.
كما أشار إلى أن تضييق الفجوة بين نمو الأجور ونمو الإيجارات سيكون عاملا حاسما في تخفيف الضغط على المستأجرين، خصوصا ذوي الدخل المحدود.
أزمة يومية للمستأجرين
بالنسبة لـ “بات”، ورغم حصوله على وظيفة بدوام كامل ودخل ثابت، فإن العثور على مسكن مناسب في سيدني ما يزال تحديا يوميا، ويقول إن العيش بمفرده أصبح شبه مستحيل، لأن الإيجار يلتهم جزءا كبيرا من دخله، ما اضطره في كل مرة إلى الانتقال بعيدا أكثر عن مركز المدينة بحثا عن أسعار أقل.
قصة “بات” تعكس واقع عدد متزايد من الأستراليين الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى مشاركة السكن أو الانتقال إلى ضواح بعيدة، أو قبول منازل ذات جودة منخفضة، فقط من أجل البقاء ضمن حدود إمكاناتهم المالية.
تشهد أستراليا منذ عدة سنوات أزمة إسكان متصاعدة نتيجة مزيج من العوامل، من بينها النمو السكاني السريع، وارتفاع تكاليف البناء، ونقص المعروض من المساكن، خاصة في المدن الكبرى، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع قياسي في الإيجارات وأسعار العقارات، بينما بقي نمو الأجور أبطأ بكثير، وتعمل الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات على إطلاق برامج لبناء مساكن جديدة وتحفيز الاستثمار في قطاع الإيجارات، لكن الخبراء يحذرون من أن تأثير هذه السياسات سيحتاج إلى سنوات قبل أن ينعكس على الأسعار، وفي الوقت نفسه، يواصل ملايين المستأجرين مواجهة ضغوط مالية متزايدة، ما يجعل أزمة السكن واحدة من أبرز التحديات الاجتماعية والاقتصادية في أستراليا خلال السنوات المقبلة.











