رمضان بلا نقود.. أزمة السيولة تخنق الحياة اليومية وتعمق الفقر في غزة

رمضان بلا نقود.. أزمة السيولة تخنق الحياة اليومية وتعمق الفقر في غزة
قطاع غزة

مع حلول شهر رمضان، تتفاقم معاناة سكان قطاع غزة تحت وطأة أزمة سيولة نقدية خانقة، فرضتها القيود الإسرائيلية على إدخال الأموال إلى القطاع، ما أدى إلى شلل شبه كامل في عمل البنوك وترك مئات الآلاف من المواطنين دون قدرة فعلية على استخدام أرصدتهم لتأمين احتياجاتهم اليومية، وفي وقت يفترض أن يكون الشهر مناسبة للإنفاق وتوفير متطلبات المعيشة، يجد السكان أنفسهم أمام واقع اقتصادي قاسٍ، حيث يمتلك كثيرون أموالاً في حساباتهم المصرفية، لكنهم عاجزون عن سحبها أو استخدامها.

وبحسب تقرير نشره المركز الفلسطيني للإعلام الأربعاء، توقفت البنوك عن تنفيذ أي عمليات سحب أو إيداع نقدي، واقتصرت خدماتها على معاملات إدارية محدودة، بينما يواجه السكان صعوبة شديدة في الحصول على أوراق نقدية للتداول، وهذا الوضع حوّل الحياة الاقتصادية في قطاع غزة إلى حالة من الجمود، وفرض على الناس أنماطاً قسرية من التعامل مع المال، في ظل غياب السيولة الفعلية من الأسواق.

أرصدة بلا قيمة فعلية

في شوارع غزة وأسواقها، يواجه المواطنون مفارقة قاسية تتمثل في أرصدة مالية مسجلة في حساباتهم المصرفية، لكن دون قدرة على الوصول إليها، وتسبب توقف السحب النقدي في جعل كثيرين عاجزين عن شراء أبسط الاحتياجات اليومية، خاصة أن معظم التعاملات في الأسواق الشعبية والبسطات تعتمد على الدفع النقدي المباشر.

ورغم تزايد الاعتماد على التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية، فإن هذه الوسائل لم تنجح في حل الأزمة، بسبب محدودية انتشارها في الأسواق التقليدية، واعتماد غالبية التجار على النقد الورقي، وهكذا بقيت الأموال الرقمية حبيسة الشاشات، بينما تظل السلع في متناول من يملك أوراقاً نقدية فقط.

أوراق مهترئة وسوق بديلة

مع غياب الأوراق النقدية الجديدة، بدأت أوراق قديمة ومهترئة تعود إلى التداول، رغم فقدانها جزءاً من صلاحيتها، ودفعت الأزمة بعض المواطنين إلى ابتكار وسائل بدائية للحفاظ على ما تبقى من أموالهم، عبر بسطات متخصصة في ترميم العملات التالفة.

في هذه البسطات، تُعاد لصق الأوراق أو تدعيمها بمواد لاصقة لإطالة عمرها التداولي، بعدما رفض كثير من التجار التعامل بها، وهذا المشهد بات مألوفاً في الأسواق، ويعكس حجم الاختلال الذي أصاب الدورة المالية، حيث تتحول العملة نفسها إلى سلعة تحتاج إلى إصلاح قبل استخدامها.

أزمة ممتدة منذ بداية الحرب

الأزمة الحالية ليست طارئة، بل تمتد للعام الثالث على التوالي منذ اندلاع الحرب، حين فقد النقد سريعاً من الأسواق، ومنعت السلطات الإسرائيلية إدخال أموال جديدة إلى القطاع، ومع استمرار القيود، تعرضت الكتلة النقدية المتداولة لضغط هائل، في اقتصاد يعاني أصلاً من انكماش حاد ودمار واسع في البنية التحتية.

استخدام البطاقات المصرفية لم يكن حلاً بديلاً، إذ دُمرت معظم المصارف وأجهزة الصرف الآلي خلال العمليات العسكرية، وفق ما وثّقته عدسات الصحفيين ومعطيات الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي. وهكذا فقد السكان وسائلهم التقليدية والحديثة للحصول على الأموال.

تحذيرات أممية من تفاقم الفقر

خبراء الأمم المتحدة أكدوا أن منع إدخال النقد الجديد أدى إلى أزمة سيولة حادة، وتسبب في تضخم كبير في تكلفة المعيشة، إلى جانب انخفاض قيمة الرواتب، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحرب أغرقت الغالبية العظمى من سكان القطاع، البالغ عددهم نحو مليوني نسمة، في دائرة الفقر، وسط اقتصاد مدمر وبطالة واسعة.

وفي منتصف سبتمبر الماضي، دعا خبراء أمميون إلى رفع القيود المالية واستعادة تدفق السيولة إلى القطاع، محذرين من تداعيات إنسانية واقتصادية متفاقمة إذا استمرت الأزمة دون حلول.

تحويلات تصل بلا قيمة كاملة

المفارقة الأشد قسوة تظهر في الحوالات المالية القادمة من الخارج، فكثير من الغزيين يتلقون دعماً من أقاربهم في الخارج، لكنهم يضطرون إلى دفع نسب مرتفعة لتحويلها إلى نقد، ما يعني خسارة جزء من قيمتها قبل أن تصل إلى أيديهم.

ويقول مسؤول مصرفي إن الناس خسروا الكثير من مدخراتهم خلال الحرب، كما تدهورت قيمة المال بشكل واضح، ما جعل القدرة الشرائية تتراجع بشكل حاد، حتى لمن يملكون أرصدة مالية.

خسائر كبيرة في القطاع المصرفي

الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر يصف القطاع المصرفي بأنه من أكثر القطاعات في غزة تضرراً خلال الحرب، مشيراً إلى أن تكلفة إعادة إعمار البنية المالية تتجاوز 42 مليون دولار، كما يقدر أن خسائر الأصول الائتمانية والنقدية تجاوزت 325 مليون دولار خلال عامين، ما يعكس حجم الضرر الذي أصاب الدورة المالية في القطاع.

ويشير إلى أن القيود على الحوالات المالية لم تبدأ مع الحرب، لكنها ازدادت بشكل ملحوظ، حيث تُرفض تحويلات عديدة أو تُقيّد حسابات مصرفية بسبب مصادر الأموال، ما يزيد من صعوبة وصول الدعم العائلي إلى مستحقيه.

ويؤكد أن منع إدخال السيولة يتعارض مع اتفاقية باريس الاقتصادية، التي تلزم بإدخال الكميات اللازمة من النقد إلى الأراضي الفلسطينية، محذراً من أن ترك السوق دون ضخ نقدي رسمي أدى إلى تشكل سوق سوداء تتحكم بأسعار السيولة وترفع تكلفة الحصول عليها.

سوق سوداء وقيود إضافية

مع استمرار القيود، بدأت سوق سوداء للسيولة تتشكل، حيث ترتفع تكلفة الحصول على النقد بشكل كبير، وتزداد الأزمة تعقيداً مع القيود المفروضة على إدخال الأموال نقداً عبر العائدين إلى القطاع، إذ لا يسمح لهم بإدخال أكثر من 1000 دولار، في سياسة يرى خبراء أنها تسحب الكتلة النقدية من السوق بدلاً من إنعاشها.

هذا الواقع يضع التجار والمستهلكين على حد سواء أمام تحديات يومية، حيث ترتفع الأسعار ويقل المعروض من النقد، ما يؤدي إلى دورة اقتصادية مشلولة يصعب كسرها دون تدخل خارجي.

تعتمد اقتصادات المناطق المحاصرة أو المتأثرة بالحروب بشكل كبير على توفر السيولة النقدية للحفاظ على دورة الحياة اليومية. فعندما تتوقف حركة الأموال، تتعطل التجارة والخدمات والرواتب، ما يؤدي إلى تضخم الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وانتشار السوق السوداء، وفي قطاع غزة، تتفاقم هذه الظاهرة بسبب القيود المفروضة على إدخال الأموال والدمار الذي أصاب البنية المصرفية خلال الحرب، ما جعل النقد نفسه سلعة نادرة. ومع دخول شهر رمضان، الذي يشهد عادة زيادة في الاستهلاك والإنفاق، تتضاعف الضغوط على السكان، حيث تتحول أزمة السيولة من مشكلة مالية إلى أزمة إنسانية تمس تفاصيل الحياة اليومية لكل أسرة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية