"تسليع الأرض" تحت المجهر الأممي.. تحذيرات من تجويع الشعوب وتهديد الحق في الغذاء

فلسطين بوصفها نموذجاً صارخاً

"تسليع الأرض" تحت المجهر الأممي.. تحذيرات من تجويع الشعوب وتهديد الحق في الغذاء
أوضاع إنسانية قاسية في غزة - أرشيف

في دورته الحادية والستين يناقش مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء، مايكل فخري، وهو تقرير يكشف كيف تحولت الأرض في كثير من أنحاء العالم من وعاء للحياة إلى سلعة في محافظ الاستثمار، وكيف بات الحق في الغذاء رهينة سباق محموم للاستيلاء على الأراضي.

ويقع التقرير في 22 صفحة، لكنه يختصر مأساة ممتدة عن تسليع الأرض وتركيز ملكيتها في أيدي قلة، وكيف يشكلان سبباً بنيوياً للجوع والمجاعة، إذ لا تقتصر الأرض على كونها أصلاً اقتصادياً، بل شرط لإعمال حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الغذاء.

وعزا التقرير الأممي أسباب انتشار الجوع والمجاعة في كثير من البلدان إلى تصاعد العنف والنزوح عالمياً، وتضاعف هشاشة المجتمعات المهمشة، حيث يتحول فقدان الأرض إلى فقدان للكرامة والسيادة على الموارد الطبيعية.

ويشبه التقرير الاندفاع المعاصر للاستحواذ على الأراضي بالتسابق الاستعماري الأوروبي على إفريقيا في أواخر القرن التاسع عشر، فمنذ أزمة الغذاء عام 2007 والأزمة المالية بين 2008 و2009، اتجهت الشركات والمستثمرون إلى شراء الأراضي والمضاربة عليها على نطاق واسع. 

وكانت النتيجة لهذه الأسباب هي التفاوت الهائل في الحيازة والتحكم، حيث يسيطر 1 بالمئة من أصحاب المزارع على 70 بالمئة من الأراضي الزراعية في العالم، في حين تمتلك أكبر عشر شركات عابرة للحدود مساحة تفوق مساحة دولة اليابان. 

وبحسب التقرير، فإن هذا التركز لا يخلق ثروة فاحشة فحسب، بل يعمق الجوع والفقر والعنف، في ظل تضاؤل الأراضي الصالحة للزراعة وتراجع التنوع البيولوجي وتأثيرات ظاهرة تغير المناخ.

ويرصد التقرير أمثلة تشريعية تُفاقم انتهاك الحقوق المرتبطة بالأرض والغذاء، ففي الأرجنتين تسهل مراسيم تنفيذية وإزالة قيود تنظيمية تركّز الملكية وامتلاك الشركات الأجنبية للأراضي، ما يهدد النظم الزراعية الإيكولوجية ويقصي صغار المنتجين.

وفي نيكاراغوا يقيد قانون أراضي المناطق الحدودية الملكية الجماعية ويمنح الدولة سيطرة واسعة على مساحات حيوية للزراعة والصيد، ما يمس الأمن الغذائي لمجتمعات محلية على ضفاف نهر "كوكو".

لكن فلسطين تظل المثال الأشد إيلاماً على تلازم الاستيلاء على الأرض وتجويع السكان، فبموجب ترتيبات ما بعد أوسلو، أُنشئت منطقة عازلة على حدود غزة الشمالية والشرقية، ثم توسعت فعلياً إلى عمق أكبر من المحدد رسمياً، لتطول مساحات واسعة من الأراضي الخصبة وآبار المياه الجوفية.

وتغطي المنطقة المحظورة قسماً كبيراً من المساحة البحرية، ما يقيّد الصيد والملاحة. ومنذ 7 أكتوبر 2023 مُنع الوصول إلى البحر كلياً، ما يقوض مصدر رزق آلاف الصيادين.

ويشير التقرير إلى أن أكثر من 95 بالمئة من الأراضي الزراعية في غزة أصبحت غير صالحة للاستخدام، وتعرضت محاصيل الأشجار والمحاصيل السنوية والأراضي المخصصة للشجيرات لدمار واسع، إضافة إلى تدمير آبار ومزارع ودفيئات ومنظومات ري. 

كما أُنشئت منطقة عازلة جديدة بعرض كيلومتر واحد، وجرى توسيع ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، ما يمنع الفلسطينيين من الوصول إلى منازلهم وأراضيهم ويشمل نسبة كبيرة من مساحة القطاع. 

ويرى التقرير أن نقل التحكم في الأرض والموارد إلى قوة احتلال يشكل انتهاكاً لحق تقرير المصير الذي يتضمن السيادة على الموارد الطبيعية.

ولا يفصل التقرير بين التصحر والاحتلال، فحين يرتبط تدهور الأراضي بالضم والاستيطان والحرمان المنهجي من المياه والبذور والبنية التحتية الزراعية، لا يمكن تقييم الامتثال لاتفاقية مكافحة التصحر بمعزل عن القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، حيث يتم استخدام تدهور البيئة والتجويع أدوات حرب وتهجير، ما يقوض جوهر الحق في الغذاء.

وفي مقابل هذا المشهد القاتم، يسلط التقرير الضوء على مقاومات مجتمعية في بلدان عدة، منها غواتيمالا والضفة الغربية المحتلة، حيث يتعرض المدافعون عن الأراضي وأشجار الزيتون للعنف والتجريم.

ويعد النضال الفلسطيني نموذجاً عالمياً في مواجهة سباق الاستيلاء على الأراضي؛ لأنه يكشف كيف تؤدي سياسات التجريد من الملكية والتشريد إلى انتشار الجوع.

ويخلص التقرير إلى أن الحق في الغذاء ليس مسألة إمدادات فحسب، بل مسألة عدالة في ملكية الأرض وإدارتها، فحين تُختزل الأرض إلى سلعة، تُختزل الحياة إلى أرقام، أما حين تُصان بوصفها حقاً جماعياً ومورداً للكرامة، فإنها تصبح الأساس لإعمال سائر الحقوق.

وعلى طاولة المجلس الأممي، في دورته المنعقدة من 23 فبراير وحتى 2 أبريل، يُطرح سؤال جوهري: هل يبقى الغذاء حقاً إنسانياً غير قابل للتصرف، أم يتحول إلى امتياز في سوق تتسع للفئة الأقوى وتضيق على الجائعين؟

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية