خلال الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان.. أزمة التمويل تهدد صمود المدافعين عن الكرامة
خلال الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان.. أزمة التمويل تهدد صمود المدافعين عن الكرامة
في لحظة دولية تتقاطع فيها النزاعات مع الأزمات الاقتصادية وصعود التشريعات المقيدة للحريات، يعرض مجلس حقوق الإنسان في دورته الحادية والستين تقرير المقررة الخاصة المعنية بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، ماري لولور، والذي يسلط الضوء على التحديات المتفاقمة التي تواجه من يدافعون عن الكرامة والعدالة، وفي مقدمتها أزمة التمويل.
والتقرير الممتد على 22 صفحة يستند إلى نحو 300 إسهام من مدافعين ومدافعات في 82 دولة وإقليماً، ويقدم صورة بانورامية لبيئة عمل تتسم بالتضييق والمخاطر، مقرونة بتوصيات عملية ورسائل مباشرة بأن تقليص الموارد ليس إجراءً إدارياً محايداً، بل قرار ينعكس مباشرة على الحماية والحياة.
وعادة ما تكون وراء الأرقام قصص بشرية، فكثيرون بدؤوا مسارهم الحقوقي إثر انتهاك مسهم أو مس أسرهم، ثم اصطدموا بعجز سبل الانتصاف، مثل نور الأمين الناشط الروهينغي الذي يربط دفاعه عن الحقوق بحرمان جماعته من الجنسية وحرية التنقل والتعليم، معتبراً أن ثمن غياب الحقوق هو التشريد والصدمة الممتدة عبر الأجيال، والحال كذلك مع مدافع إيراني لجأ إلى تركيا حيث دفعته تجربة طفلته مع انتهاكات جسيمة إلى تبني قضية حقوق الطفل بوصفها "واجباً شخصياً وإنسانياً".
في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يصف مدافع من تلال الخليل الجنوبية كيف يصبح النشاط ضرورة وجودية حين تُنتهك مقومات الحياة الأساسية من ماء ومسكن وأمن، ومن المغرب إلى الإكوادور، ومن الحدود البحرية بين إسبانيا والمغرب إلى الأمازون، تتعدد السياقات ويظل الدافع واحدًا.. الإيمان بأن الكرامة حق غير قابل للتجزئة وأن الصمت يُطيل أمد الانتهاك.
مخاطر تتزايد ومساحات تنكمش
يؤكد التقرير أن ممارسة الحق في الدفاع عن حقوق الإنسان لا تزال محفوفة بالمخاطر في بلدان عدة، ففي شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية تُوثق تهديدات بالقتل واعتداءات واختطافاً وتعذيباً تطول العاملين في الميدان، وفي سياقات أخرى تتخذ الضغوط شكل ملاحقات قضائية أو حملات تجريم أو عقوبات تستهدف منظمات تسعى إلى المساءلة الدولية.
ويحذر التقرير من اتجاهات تشريعية تقيد عمل المنظمات التي تتلقى تمويلاً أجنبياً، إذ أفادت تقارير بأن أكثر من 60 دولة اعتمدت قوانين تفرض قيوداً أو عقوبات في هذا المجال، وفي جورجيا أدى قانون "تسجيل الوكلاء الأجانب" وتجميد الحسابات إلى شلل شبه تام لمنظمة تدير ملاجئ لضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وفي بيرو أفضى قانون جديد إلى تعزيز الرقابة الحكومية والاشتراط المسبق للموافقة على المشاريع، ما يقوض الوصول إلى العدالة للمجتمعات المتضررة من التعدين واسع النطاق.
وترى المقررة الخاصة ماري لولور أن التخفيضات الحادة في 2024 و2025 أحدثت صدمة في منظومة الحماية، أبرزها تقليص المساعدة الطارئة، وتراجع الدعم النفسي الاجتماعي، وانخفاض القدرة على تقديم العون القانوني، وتآكل برامج تمكين النساء.
وفي هذا السياق يصف أحد المدافعين في إثيوبيا غياب صناديق الطوارئ بأنه "فجوة تمنعني من البقاء على قيد الحياة ومواصلة عملي"، في ظل تهديدات مزدوجة بالعنف العام والاضطهاد القائم على الهوية.
تقلص المبادرات
في أفغانستان علقت منظمة تقودها نساء خدمات الدعم النفسي للنساء والأطفال بسبب نقص الموارد، رغم تصاعد الحاجة، وفي باكستان والكاميرون وبنغلاديش توقفت أو تقلصت مبادرات تمكين المرأة، ومنها مخيمات اللاجئين الروهينغيا، حتى البرامج الناجحة مثل مبادرة كولومبية وفرت حماية مباشرة أنقذت حياة 189 مدافعاً خلال خمس سنوات، باتت عاجزة عن تلبية الطلب المتزايد بعد تقليص التمويل. بحسب التقرير.
وتحذّر لولور من أزمة صحة نفسية وشيكة بين المدافعين نتيجة الإرهاق وإلغاء برامج الدعم، مشيرة إلى أن الانتقال من الوقاية إلى "طب الطوارئ" يضعف جودة العمل ويزيد مخاطره.
وعلى الرغم من الانكماش المالي، يُظهر المدافعون قدراً لافتاً من الصمود، حيث لجأ كثيرون إلى أدوات رقمية مجانية، منها تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، لتخفيف عبء التنظيم والحملات، في حين تحولت ورش حضورية إلى دورات إلكترونية قابلة لإعادة الاستخدام، واعتمدت مبادرات تمويل جماعي ومشاريع مدرة للدخل، لكن هذه الحلول، وإن عكست مرونة، لا تعوض التمويل الأساسي المستدام الذي يضمن الاستقلال والأمان.
ويدعو التقرير إلى إعادة تقييم تخفيضات المساعدة الإنمائية الرسمية بعد قياس أثرها في بيئة المدافعين، وتوفير تمويل أساسي مرن يشمل الاستجابة الطارئة والدعم النفسي الاجتماعي، كما يحث على سن أطر قانونية تحمي المدافعين، ودعم شبكات الحماية المحلية والوطنية، وضمان تمويل كافٍ لآليات الإجراءات الخاصة بالأمم المتحدة وسداد المستحقات في مواعيدها.
في جوهره، يذكر التقرير بأن حماية المدافعين ليست خياراً سياسياً بل التزام قانوني وأخلاقي، فحين يضيق الهامش أمام من يرفعون الصوت من أجل الآخرين، تضيق معه مساحة الحقوق للجميع.











