كيف تُحكم روسيا قبضتها على الإعلام المستقل والمعارضين للحرب في أوكرانيا؟
صحفية تواجه 12 عاماً من السجن
في مشهد مؤثر وثقته عدسات الكاميرات، وقفت الصحفية الروسية أولغا كومليفا تلوّح وتبتسم خلف قفص زجاجي مخصص للمتهمين داخل قاعة محكمة في مدينة أوفا وسط روسيا، بعد أن أصدرت المحكمة بحقها حكمًا بالسجن 12 عامًا بتهمتي المشاركة في أنشطة جماعة متطرفة ونشر معلومات كاذبة عن الجيش الروسي.
كومليفا، البالغة من العمر 46 عامًا، كانت قد تطوعت سابقًا في صفوف فريق المعارض الراحل أليكسي نافالني قبل حظر منظماته في 2021، لتصبح أحدث ضحايا موجة القمع المتصاعدة ضد الإعلام المستقل والأصوات المنتقدة للحرب في أوكرانيا.
بحسب مؤسسة ميديازونا الإعلامية المستقلة، جاءت إدانة كومليفا على خلفية تغطيتها الاحتجاجات المناهضة للحرب لمصلحة مؤسسة روس نيوز المستقلة، في وقت تُحظر فيه القوانين الروسية الصارمة، التي أُقرت منذ بدء الغزو الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، أي نشر معلومات تناقض الرواية الرسمية حول الجيش، تحت طائلة السجن لفترات طويلة.
وعلى الرغم من إصابتها بداء السكري وصعوبة حصولها على العلاج أثناء الاحتجاز الاحتياطي، ظهرت كومليفا قوية، رافضة الاعتراف بالتهم الموجهة إليها، ووصفتها منظمة مراسلون بلا حدود بأنها رمز لقمع الكرملين للأصوات المستقلة، مطالبة بالإفراج الفوري عنها.
تقييد الإعلام المستقل
حكم كومليفا ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإجراءات التي استهدفت الإعلام المستقل في روسيا، والتي تسارعت بوتيرة غير مسبوقة منذ بدء الحرب. وفقًا لتقرير لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، تحتل روسيا المرتبة الثالثة عالميًا في قائمة أكبر سجون الصحفيين لعام 2024، مع أكثر من 22 صحفيًا معتقلًا رسميًا، بخلاف حالات التضييق والملاحقات القضائية المستمرة.
في تقريرها السنوي لعام 2024، وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش حالة الإعلام في روسيا بأنها واحدة من أسوأ المراحل منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث أغلقت أو أجبرت على الإغلاق أكثر من 130 وسيلة إعلامية مستقلة منذ فبراير 2022، في حين اضطر عشرات الصحفيين إلى مغادرة البلاد خوفًا من الاعتقال.
تستند معظم هذه القضايا إلى قوانين جديدة جرى سنّها عقب بداية الغزو، تجرّم نشر أخبار كاذبة عن الجيش أو تشويه سمعة القوات المسلحة، وقد تصل عقوبات هذه القوانين إلى السجن 15 عامًا، وتستخدم على نطاق واسع لإسكات أي انتقاد.
وتشير أرقام مشروع "أوفا إنفو" الروسي المستقل إلى تسجيل أكثر من 800 قضية جنائية بتهم مرتبطة بالحرب منذ فبراير 2022، منها عشرات القضايا ضد صحفيين ومدونين.
نافالني.. رمزية المعارضة
أولغا كومليفا ليست فقط صحفية؛ هي أيضًا متطوعة سابقة في حملة أليكسي نافالني، المعارض الأشهر للرئيس فلاديمير بوتين، والذي توفي في ظروف غامضة في سجنه في القطب الشمالي في فبراير 2024، وقد ألقت وفاة نافالني، التي أثارت موجة إدانات دولية، بظلالها الثقيلة على المعارضة الروسية، التي باتت ملاحقة أو في المنفى.
حظرت السلطات الروسية منظمات نافالني في 2021 واعتبرتها متطرفة، وهو القرار الذي شكّل نقطة تحول حاسمة في قمع أي نشاط معارض منظم داخل البلاد. منذ ذلك الحين، اتُهم العشرات لمجرد الانتماء أو التعاون السابق مع هذه المنظمات، مثل كومليفا.
يؤكد خبراء حرية الإعلام أن هدف هذه السياسات ليس فقط إسكات الأصوات المعارضة للحرب، بل أيضًا القضاء على أي مساحة عامة للنقاش الحر، فحتى وسائل التواصل الاجتماعي لم تسلم من الرقابة؛ حيث حجبت السلطات الروسية منذ 2022 منصات فيسبوك وإنستغرام وتويتر (إكس حاليًا)، وفرضت غرامات ضخمة على غوغل ويوتيوب.
وفي تقرير لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، أوضحت أن الرقابة الروسية اتخذت طابعًا شموليًا يشمل الصحافة المكتوبة، والقنوات التلفزيونية، والإذاعات، والمنصات الرقمية، وحتى الأفلام الوثائقية.
الإعلام الرسمي يملأ الفراغ
في المقابل، تستثمر الحكومة الروسية بكثافة في الإعلام الرسمي وقنواتها الموالية، التي تحشد الخطاب القومي لدعم الحرب وتصويرها كحرب وجودية ضد الغرب، ووفقًا لاستطلاع أجراه مركز ليفادا المستقل في مارس 2024، يعتمد 68% من الروس على التلفزيون مصدراً رئيسياً للمعلومات، وهي النسبة التي ترتفع في المناطق الريفية وكبار السن.
هذا الاحتكار الإعلامي الرسمي يُفاقم أزمة الوعي العام داخل روسيا، ويجعل من الصعب على المواطن العادي الوصول لمعلومات مستقلة حول الحرب وتبعاتها الإنسانية والاقتصادية.
وراء هذه السياسات المشددة، ثمة مأساة إنسانية تطول آلاف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وقد سجلت منظمة فرونت لاين ديفندرز في تقريرها لعام 2024 أكثر من 180 حالة تهديد مباشر أو اعتداء جسدي على صحفيين ونشطاء في روسيا.
صحفيون بارزون مثل إيفان غيرشكوفيتش مراسل وول ستريت جورنال، والمحررة مارينا أوفسيانيكوفا التي اشتهرت برفع لافتة لا للحرب على الهواء مباشرة، باتوا رموزًا لهذه المواجهة غير المتكافئة مع السلطة.
إرث طويل من الصراع
تاريخ روسيا الحديث طالما شهد علاقة متوترة بين السلطة والإعلام المستقل، تعود جذورها لفترة الاتحاد السوفييتي. ورغم انفراجة قصيرة في تسعينيات القرن الماضي، عادت القيود تدريجيًا مع وصول بوتين للسلطة عام 2000.
لكن الحرب في أوكرانيا مثلت نقطة تحول فارقة؛ إذ تحولت القيود إلى نظام قانوني متكامل يجرّم عمليًا أي سردية بديلة.
تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية لم تتوقف عن التحذير، ففي تقرير خاص لمجلس حقوق الإنسان في يونيو 2024، وُصفت روسيا بأنها واحدة من أخطر البيئات للصحفيين، ودُعيت إلى الإفراج الفوري عن المحتجزين ووقف العمل بقوانين الرقابة.
لكن موسكو لا تبدي أي مؤشر لتخفيف القيود، بل على العكس؛ فخطابها الرسمي يرى الإعلام المستقل جزءًا من آلة الحرب الغربية، ويصور الصحفيين المنتقدين خونةً أو عملاءً.
الحرب في أوكرانيا
اندلعت الحرب الشاملة في أوكرانيا في 24 فبراير 2022 حين أطلقت روسيا غزوًا واسع النطاق بعد سنوات من التوتر والصراع في شرق أوكرانيا منذ ضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014.
وأعلنت موسكو أن الهدف هو نزع سلاح أوكرانيا وحماية الأقليات الروسية، في حين رأت كييف والمجتمع الدولي في ذلك عدوانًا غير مبرر على سيادة دولة مستقلة.
الحرب التي دخلت عامها الثالث أودت بحياة عشرات الآلاف وشرّدت الملايين داخليًا وخارجيًا، كما تسببت في أزمة إنسانية وأزمة اقتصادية غير مسبوقة في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وبالتوازي.
وشددت السلطات الروسية قبضتها على الداخل عبر قوانين رقابية غير مسبوقة، لقمع أي انتقاد للحرب أو الجيش، في واحدة من أخطر الأزمات لحرية الإعلام في تاريخ روسيا الحديث.