من الهشاشة إلى الاستقرار.. كيف تغير التسوية حياة المهاجرين والاقتصاد في إسبانيا؟

من الهشاشة إلى الاستقرار.. كيف تغير التسوية حياة المهاجرين والاقتصاد في إسبانيا؟
طوابير طويلة من المهاجرين أمام قنصليات وسفارات بلادهم في إسبانيا لتسوية أوضاعهم

شهدت إسبانيا في يناير الماضي خطوة غير مسبوقة على صعيد سياسات الهجرة، مع إطلاق الحكومة برنامج تسوية أوضاع نحو نصف مليون مهاجر غير نظامي يقيمون على أراضيها.

المبادرة، التي لقيت صدى واسعاً بين المهاجرين والمجتمع المدني، تهدف إلى منح هؤلاء الأشخاص غطاءً قانونياً يضمن لهم حق العمل والتنقل والاستفادة من الخدمات الأساسية، في خطوة اعتبرها كثيرون دفعة مهمة للاندماج الاجتماعي ومكافحة الاستغلال في سوق العمل.

وفقا لما ذكرته شبكة "مهاجر نيوز" الجمعة، جاء برنامج التسوية بعد ضغط شعبي وسياسي واسع، حيث جمعت العريضة المطالبة بهذه الخطوة أكثر من 700 ألف توقيع قبل أن تتخذ الحكومة قرارها بالمضي قدماً دون الحاجة إلى العودة إلى البرلمان للمصادقة، ولم تكن المبادرة مجرد إجراء إداري، بل تمثل بالنسبة للمهاجرين فرصة لتحويل حياتهم، وفتح أبواب الأمل أمام عائلاتهم، ورفع معاناتهم اليومية من ظل عدم الاستقرار القانوني.

أثر التسوية على حياة المهاجرين

حمزة، مهاجر مغربي فضل استخدام اسم مستعار، يروي كيف قرر الانتقال إلى إسبانيا بطريقة قانونية غير تقليدية، يقول حمزة: "بعد زيارات متكررة إلى أوروبا ومقارنة الوضع بين المغرب وإسبانيا، وجدت أن هنا فرص العمل متاحة بشكل أكبر، والقدرة على البقاء بشكل قانوني ممكنة"، واضطر حمزة لمغادرة بلده بعد تراجع مشروعه التجاري بسبب تداعيات كورونا، وكان يفكر في مستقبل ابنه ومصاريف أسرته، فوجد في التسوية فرصة لتحقيق استقرار مستقبلي.

يشير حمزة إلى أن تجربة بلدان أخرى، مثل ألمانيا، لم تكن ناجحة بسبب صعوبة اللغة والبيروقراطية، بينما توفر إسبانيا فرص عمل للمهاجرين حتى قبل الحصول على وثائق رسمية، ما يجعل برنامج التسوية الأكثر جاذبية للمهاجرين الباحثين عن حياة كريمة.

المضمون القانوني للتسوية

أحمد بنسعد، محامٍ بهيئة غرناطة ومتخصص في شؤون الهجرة، أوضح أن القانون الجديد يسمح لكل مهاجر إثبات دخوله إلى إسبانيا قبل 31 ديسمبر 2025، وأن يكون موجوداً على الأراضي الإسبانية لمدة لا تقل عن 5 أشهر، ويضيف بنسعد: "القرار يتيح للمهاجرين العمل فور تقديم الطلب، دون الحاجة لعقد عمل مسبق، ما يقلص فرص الاستغلال من قبل سماسرة عقود العمل".

كما يشمل القانون تسوية أوضاع العائلات المرافقة للمهاجرين ومنحهم جميع الحقوق العمالية، بما في ذلك التنقل داخل وخارج إسبانيا، وهو ما يمثل خطوة هامة نحو استقرار المهاجرين وتحقيق اندماج فعلي في المجتمع الإسباني.

استجابة المهاجرين للتسوية

تختلف التقديرات بشأن عدد المستفيدين المحتملين، إذ يعتقد حزب بوديموس أن العملية قد تشمل ما بين 500 ألف و800 ألف مهاجر في إسبانيا، وعلى الأرض، بدأت القنصليات الإسبانية في استقبال مئات الأشخاص يومياً لتجهيز الوثائق المطلوبة، فيما وصف حمزة هذا المشهد بأنه يمثل أملاً حقيقياً للآلاف من المهاجرين في وضعيات اقتصادية هشة.

ويقول حمزة: "سعيد بأن لدي كل الوثائق اللازمة، وسأتمكن من زيارة أهلي في المغرب. وأخطط لإعادة أسرتي الصغيرة للاستقرار هناك، بينما أستمر في التنقل والعمل بين البلدين. هذه التسوية تمنحنا حياة أكثر استقراراً وحقوقاً لم نتمتع بها من قبل".

الفوائد الاقتصادية والاجتماعية لإسبانيا

من منظور اقتصادي، يعتبر القانون خطوة استراتيجية، إذ سيسهم في تحويل العديد من العمال من السوق السوداء إلى الاقتصاد الرسمي، ما يزيد من المساهمة في صندوق الضمان الاجتماعي ويضمن حقوق العمال، ويوضح أحمد بنسعد أن التسوية ستحد من استغلال المهاجرين في عقود العمل المزيفة، وتتيح لهم حماية قانونية حقيقية.

اجتماعياً، يسهم القانون في دمج المهاجرين، حيث أن العمل والاستقرار الأسري هما الركيزتان الأساسيتان للاندماج الاجتماعي. كما أن تسوية أوضاع العمال ستساهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي وتقليل حالات الابتزاز والاستغلال، وهو ما يعزز الشعور بالانتماء والمسؤولية لدى المهاجرين تجاه المجتمع الإسباني.

تعود قضية تسوية أوضاع المهاجرين في إسبانيا إلى سنوات من الممارسات غير النظامية في سوق العمل، حيث يعمل مئات الآلاف دون عقود أو ضمانات اجتماعية، وتشير البيانات الرسمية إلى أن أوروبا تواجه نقصاً في اليد العاملة في قطاعات مختلفة نتيجة التغيرات الديموغرافية وشيوخ السكان، وتعتبر إسبانيا واحدة من الدول التي تحتاج إلى تعزيز قوة العمل المهاجرة لضمان النمو المستدام.

برنامج التسوية الإسباني ليس مجرد خطوة قانونية، بل يمثل نموذجاً متميزاً داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تجمع بين الاستجابة الإنسانية لمحنة المهاجرين وبين تعزيز الاقتصاد الرسمي وتوفير حماية قانونية للعمال، وتؤكد المبادرة أن السياسات الذكية يمكن أن تحقق توازناً بين الحقوق الفردية والاحتياجات الوطنية، مع ضمان دمج المهاجرين بشكل فعال في المجتمع.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية