عام على مجازر الساحل السوري.. الضحايا بين آلام الانتهاكات المستمرة وغياب المساءلة

عام على مجازر الساحل السوري.. الضحايا بين آلام الانتهاكات المستمرة وغياب المساءلة
قوات عسكرية في منطقة الساحل السوري- أرشيف

تمر اليوم الذكرى السنوية الأولى لمجازر الساحل السوري وسط مشاعر ثقيلة من الحزن والغضب لدى عائلات الضحايا والناجين، في ظل غياب أي محاسبة فعلية للمسؤولين عن الانتهاكات التي شهدتها المنطقة في مارس 2025، وتعد تلك الأحداث من أكثر الوقائع دموية في مرحلة ما بعد التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا في نهاية عام 2024، إذ خلفت مئات الضحايا المدنيين وأدت إلى موجة نزوح واسعة وتوترات طائفية عميقة لا تزال آثارها الإنسانية والسياسية مستمرة حتى اليوم.

تشير المعطيات التي وثقتها لجان التحقيق المحلية إلى أن أعمال العنف التي وقعت بين السابع والتاسع من مارس 2025 أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1426 مدنياً بينهم 90 امرأة، إضافة إلى تدمير واسع للمنازل والممتلكات الخاصة، وبحسب تقارير لجنة التحقيق الوطنية التي شكلتها السلطات السورية المؤقتة فقد تمكنت اللجنة من تحديد هوية 298 شخصاً يشتبه في تورطهم في هذه الانتهاكات، إلا أن توصياتها المتعلقة بملاحقة المتورطين وإطلاق مسار للعدالة الانتقالية لم تُترجم حتى الآن إلى إجراءات قضائية واضحة.

انتهاكات متعددة

وأكدت اللجنة الوطنية في تقريرها أن الجرائم التي تعرض لها المدنيون في منطقة الساحل السوري شملت القتل العمد والنهب وتخريب المنازل وإحراقها، إضافة إلى الاعتداءات الجسدية والتعذيب واستخدام عبارات ذات طابع طائفي ضد الضحايا، ورغم اعتراف التقرير بوقوع هذه الانتهاكات، فإنه أشار إلى أن الدوافع كانت ذات خلفية ثأرية وليست أيديولوجية، وهو توصيف أثار انتقادات واسعة من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية اعتبرت أن مثل هذا التفسير قد يحد من فرص تحقيق مساءلة حقيقية.

في المقابل، قدمت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا توصيفاً أكثر شمولاً لما حدث، معتبرة أن الانتهاكات التي شهدها الساحل السوري ترقى إلى جرائم حرب، وأشار تقرير اللجنة إلى أن العنف شمل عمليات قتل خارج نطاق القانون وتعذيباً وأفعالاً لا إنسانية، إضافة إلى نهب واسع النطاق وإحراق منازل المدنيين، وهو ما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان من مناطقهم.

جرائم موثقة

كما وثقت اللجنة الأممية أن بعض المهاجمين عمدوا إلى فصل الرجال المنتمين إلى الطائفة العلوية عن النساء والأطفال قبل اقتيادهم إلى خارج المنازل أو القرى وإطلاق النار عليهم، وأفاد التقرير بأن جثث الضحايا تُركت في الشوارع لعدة أيام في بعض المناطق، في حين مُنعت عائلات الضحايا من دفنهم لفترات طويلة، في حين جرى دفن آخرين في مقابر جماعية دون توثيق مناسب، وهو ما يُعقّد جهود التحقيق وتحديد هوية الضحايا لاحقاً.

وتأتي هذه المجازر في سياق أوسع من التوترات التي شهدتها سوريا بعد التغيرات السياسية التي حدثت في الثامن من ديسمبر 2024، حيث سجلت منظمات حقوقية سلسلة من الانتهاكات التي استهدفت مدنيين في عدة مناطق، منها عمليات قتل وخطف وتضييق أمني، وتشير تقارير ميدانية إلى أن بعض المناطق ذات الغالبية العلوية في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص شهدت تصاعداً في الاعتداءات منذ تلك الفترة بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وتشير روايات الناجين وشهادات موثقة إلى أن الهجوم الواسع على بعض القرى الساحلية جاء بعد اشتباكات محدودة بين قوات مسلحة وشبان محليين حاولوا الدفاع عن مناطقهم، إلا أن الرد العسكري اتخذ طابعاً واسع النطاق شمل اقتحام قرى عدة باستخدام القصف المدفعي والطيران المروحي، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين وتدمير أجزاء واسعة من البنية السكنية في بعض البلدات.

النزوح القسري

وتظهر تداعيات هذه الأحداث في حجم النزوح الذي أعقب المجازر، حيث قدرت تقارير الأمم المتحدة أن عشرات الآلاف من المدنيين اضطروا إلى مغادرة منازلهم خلال أيام قليلة من اندلاع العنف، وقد لجأ العديد منهم إلى مناطق مجاورة أو إلى مراكز إيواء مؤقتة، في حين لا يزال عدد كبير من الأسر غير قادر على العودة إلى قراهم بسبب المخاوف الأمنية ودمار المنازل والبنية التحتية، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).

 تفاقم الانقسامات الطائفية

إلى جانب الخسائر البشرية والمادية، تركت المجازر آثاراً اجتماعية عميقة على المجتمعات المحلية في الساحل السوري، فقد أدت الأحداث إلى تفاقم الانقسامات الطائفية وزيادة مشاعر الخوف وانعدام الثقة بين مكونات المجتمع، وهي عوامل يرى مراقبون أنها قد تهدد فرص تحقيق الاستقرار والمصالحة في المستقبل إذا لم يتم التعامل معها عبر آليات عدالة انتقالية شاملة.

كما وثقت تقارير حقوقية حالات خطف واستغلال نساء خلال الأحداث، حيث أشارت شهادات محلية إلى أن بعض المختطفات تعرض لعنف شديد، في حين تمكن بعضهن من العودة إلى عائلاتهن بعد دفع فدية مالية، ولا يزال مصير أخريات مجهولاً حتى اليوم، وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أن مثل هذه الانتهاكات يمثل جرائم خطيرة بموجب القانون الدولي الإنساني.

غضب بين عائلات الضحايا

ومع حلول الذكرى السنوية الأولى للمجازر، فقد شهدت مناطق في الساحل السوري حالة من التوتر بعد تداول تسجيل صوتي يطلب من الأهالي تأجيل زيارة قبور ضحايا المجازر، وأفادت مصادر محلية أن هذا التوجيه جاء بناءً على تعليمات من السلطات المحلية، ما أثار موجة غضب بين عائلات الضحايا التي اعتبرت أن زيارة القبور في ذكرى فقدان أحبائهم حق إنساني لا يمكن تقييده بقرارات إدارية بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وفي ظل غياب إجراءات قضائية واضحة حتى الآن، تؤكد المنظمات الحقوقية الدولية أن تحقيق العدالة لضحايا المجازر في الساحل السوري يمثل شرطاً أساسياً لمنع تكرار الانتهاكات، وتشدد هذه المنظمات على ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم بما يتوافق مع مبادئ القانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

ويرى خبراء في القانون الدولي أن الجرائم التي تتضمن القتل العمد للمدنيين والتعذيب والنهب الواسع النطاق يمكن أن تندرج ضمن جرائم الحرب بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، وتؤكد هذه القواعد القانونية أن استهداف المدنيين أو معاملتهم بوحشية أثناء النزاعات المسلحة يعد انتهاكاً خطيراً يستوجب المساءلة الجنائية.

ومع مرور عام على تلك الأحداث الدامية، لا تزال عائلات الضحايا في الساحل السوري تنتظر تحقيق العدالة والكشف الكامل عن حقيقة ما جرى، في حين تبقى المجازر جزءاً مؤلماً من ذاكرة المجتمع السوري المعاصر، وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أن معالجة آثار هذه الجرائم تتطلب تحقيقات مستقلة وشاملة، إضافة إلى برامج للإنصاف وجبر الضرر للضحايا، باعتبارها خطوة ضرورية نحو بناء سلام مستدام في سوريا.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية