بمناسبة اليوم العالمي للمرأة.. المغرب بين مكتسبات تشريعية وتحديات تحقيق المساواة الفعلية
بمناسبة اليوم العالمي للمرأة.. المغرب بين مكتسبات تشريعية وتحديات تحقيق المساواة الفعلية
يحل اليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس من كل عام باعتباره مناسبة دولية لتسليط الضوء على أوضاع النساء في مختلف دول العالم، واستعراض التقدم المحرز في مجال حقوق المرأة، إضافة إلى التحديات التي ما تزال تعوق تحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين، وفي المغرب، تتجدد في هذه المناسبة دعوات منظمات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية إلى حماية المكتسبات التي حققتها النساء خلال العقود الماضية، وتعزيز الإصلاحات التشريعية والاجتماعية، ما يضمن تحقيق العدالة والمساواة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة
ويرتبط الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة بتاريخ طويل من النضال النسوي العالمي من أجل المساواة والحقوق الاجتماعية والسياسية، وقد اعتمدت الأمم المتحدة هذا اليوم رسمياً عام 1977 ليكون مناسبة دولية للاعتراف بدور النساء في التنمية وتعزيز حقوقهن، في حين تشير تقارير أممية إلى أن النساء والفتيات ما زلن يتحملن آثاراً غير متكافئة للأزمات الإنسانية والنزاعات المسلحة، حيث يشكلن نسبة كبيرة من المدنيين المتضررين من الحروب والكوارث الإنسانية، وفق هيئة الأمم المتحدة للمرأة.
في هذا السياق، دعت جمعية "أيادي حرة" المغربية، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، إلى ضرورة حماية المكتسبات الحقوقية التي حققتها النساء في المغرب وتسريع الإصلاحات القانونية والاجتماعية الداعمة لمسار المساواة والعدالة، وأكدت الجمعية في بيان صادر تحت شعار "من أجل حماية مكتسبات النساء وتعزيز مسار المساواة والعدالة" أن هذه المناسبة تأتي في ظل سياق دولي متوتر يشهد تصاعد النزاعات والأزمات الإنسانية والبيئية، وهي ظروف تتحمل النساء والفتيات تبعاتها الكبرى.
تحديات في ظل الأزمات العالمية
وأشار البيان إلى أن الحقوق التي اكتسبتها النساء عبر عقود من النضال أصبحت تواجه تحديات متزايدة في ظل الأزمات العالمية وتدهور الأوضاع الإنسانية في عدد من مناطق النزاع، واستشهدت الجمعية بتقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة وتقارير دولية تؤكد أن النساء والأطفال يشكلون النسبة الكبرى من الضحايا المدنيين في النزاعات المسلحة، مشيرة إلى الأوضاع الإنسانية الصعبة التي تعيشها النساء في مناطق مثل قطاع غزة والسودان، حيث تتفاقم معاناة النساء نتيجة النزوح والعنف الجنسي وتدهور الخدمات الصحية والاجتماعية.
وعلى الصعيد الوطني، تؤكد منظمات حقوقية مغربية أن الاحتفال باليوم العالمي للمرأة ينبغي أن يتجاوز الطابع الرمزي ليشكل فرصة لتقييم واقع النساء في المغرب، خصوصاً في ظل استمرار الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي، فرغم التقدم الذي تحقق في السنوات الماضية على المستوى التشريعي والمؤسساتي، لا تزال النساء تواجه تحديات متعددة في مجالات المشاركة الاقتصادية والحماية الاجتماعية ومكافحة العنف، وفق المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب.
مدونة الأسرة المغربية
وتعد مدونة الأسرة المغربية التي تم إصلاحها عام 2004 من أبرز المحطات القانونية في مسار تعزيز حقوق النساء في المغرب، إذ أسهمت في إدخال تعديلات مهمة على قوانين الزواج والطلاق وحضانة الأطفال ورفع سن الزواج إلى 18 عاماً، غير أن العديد من المنظمات النسائية ترى أن الحاجة ما تزال قائمة لمراجعة بعض مقتضيات هذه المدونة بما يواكب التحولات الاجتماعية ويعزز مبدأ المساواة داخل الأسرة، وفق وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة في المغرب.
كما يشير خبراء في قضايا النوع الاجتماعي إلى أن القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، والذي دخل حيز التنفيذ عام 2018، يمثل خطوة مهمة في الاعتراف القانوني بالعنف ضد النساء وفرض عقوبات على مرتكبيه، إلا أن منظمات المجتمع المدني تعد هذا القانون ما يزال يحتاج إلى تطوير آليات التنفيذ وتوفير الحماية الكافية للضحايا، خصوصاً في ظل استمرار تسجيل حالات عنف جسدي ونفسي واقتصادي ضد النساء.
التحديات الاقتصادية
وتكشف الإحصاءات الرسمية عن استمرار التحديات الاقتصادية التي تواجه النساء في المغرب، حيث تشير بيانات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن نسبة مشاركة النساء في سوق العمل لا تزال منخفضة مقارنة بالرجال، إذ لا تتجاوز حوالي 20 في المئة من مجموع النساء في سن العمل، كما تظهر الدراسات أن نسبة كبيرة من النساء تعمل في القطاع غير المهيكل أو تتحمل أعباء العمل المنزلي غير المؤدى عنه، وهو ما يحد من استقلاليتهن الاقتصادية بحسب المندوبية السامية للتخطيط في المغرب.
وتتفاقم هذه التحديات بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة من النساء، مثل الأرامل والمطلقات والأمهات المعيلات لأسرهن، حيث تشير تقارير اجتماعية إلى أن العديد منهن يواجهن صعوبات اقتصادية واجتماعية نتيجة محدودية فرص العمل وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، كما تؤكد منظمات نسائية أن السياسات العمومية ما تزال بحاجة إلى إدماج أوسع لمقاربة النوع الاجتماعي لضمان استفادة النساء من برامج التنمية بشكل عادل، وفق تقارير وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة.
تقدم نسبي بشأن تمكين المرأة
ويؤكد تقرير الفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن المغرب حقق تقدماً نسبياً في مجال تمكين المرأة خلال السنوات الماضية، إلا أن الطريق ما يزال طويلاً لتحقيق المساواة الكاملة. فقد أشار تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي حول الفجوة بين الجنسين إلى أن المغرب يواجه تحديات في مجالات المشاركة الاقتصادية والتمثيل السياسي للنساء، رغم التحسن التدريجي في بعض المؤشرات التعليمية والصحية.
وفي الإطار القانوني الدولي، يلتزم المغرب بعدد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق المرأة، وعلى رأسها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي تدعو الدول إلى اتخاذ التدابير التشريعية والمؤسساتية اللازمة لضمان المساواة الكاملة بين الرجال والنساء في مختلف المجالات، كما تشدد هذه الاتفاقية على ضرورة حماية النساء من جميع أشكال العنف والتمييز وتعزيز مشاركتهن في الحياة العامة والاقتصادية.
تسريع الإصلاحات التشريعية والاجتماعية
وفي هذا السياق، دعت جمعية "أيادٍ حرة" المغربية إلى تسريع الإصلاحات التشريعية والاجتماعية لضمان ملائمة القوانين الوطنية مع الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان، وعلى رأسها الإسراع بإصلاح مدونة الأسرة، وتعزيز آليات مكافحة العنف ضد النساء، وتفعيل هيئة المناصفة ومكافحة جميع أشكال التمييز، إضافة إلى اعتماد سياسات اقتصادية واجتماعية أكثر إنصافاً تضمن الإدماج الفعلي للنساء في الدورة الاقتصادية.
ومع استمرار النقاشات حول إصلاح السياسات الاجتماعية والقانونية المتعلقة بالمرأة في المغرب، تؤكد منظمات حقوق الإنسان أن تحقيق المساواة الفعلية يتطلب مقاربة شاملة تشمل الإصلاح القانوني وتعزيز المشاركة الاقتصادية وتمكين النساء من الوصول إلى التعليم والعمل والحماية الاجتماعية، وتعد هذه المنظمات اليوم العالمي للمرأة بمنزلة فرصة لتجديد الالتزام الوطني والدولي بحماية حقوق النساء وتعزيز مسار العدالة والمساواة في المجتمع.











