تحذيرات أممية من كارثة إنسانية في السودان ونداءات عاجلة للتمويل الإغاثي
تحذيرات أممية من كارثة إنسانية في السودان ونداءات عاجلة للتمويل الإغاثي
أعربت الأمم المتحدة عن قلق بالغ إزاء موجات النزوح الجديدة التي تشهدها العاصمة السودانية الخرطوم، عقب التدهور الأمني وسيطرة أطراف جديدة على المدينة، وسُجّلت تحركات واسعة للمدنيين هرباً من العنف والخوف من عمليات القتل خارج القانون، في ظل تفاقم الأوضاع الإنسانية.
أعلن المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوغاريك، في بيان صدر الجمعة، أن أكثر من 5000 نازح، معظمهم من الخرطوم، وصلوا خلال الأسبوع الماضي إلى منطقة جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان، كما تحدثت تقارير عن موجات نزوح أخرى نحو مدينة أم دخن في وسط دارفور وفق موقع أخبار الأمم المتحدة.
وأكد دوغاريك أن النازحين بحاجة ماسة إلى الغذاء والماء النظيف والمأوى والرعاية الصحية، مشيراً إلى أن وكالات الإغاثة تبذل جهوداً للتحقق من الوضع، رغم العقبات التي تعرقل العمل الإنساني.
قيود تؤخّر الاستجابة الإغاثية
أشار المتحدث الأممي إلى أن استمرار القيود المالية أجبر العديد من الجهات على تقليص عمليات جمع البيانات، ما تسبب في تأخير إصدار التنبيهات المبكرة المرتبطة بحركات النزوح الجديدة، وأثر سلباً في الاستجابة الإنسانية.
أوضح دوغاريك أن الوضع في السودان بات معقداً وصعباً، حيث يفر المدنيون من مناطق الصراع أو يعودون إلى بيوت مدمّرة أو خالية من الخدمات، معرضين لأخطار الذخائر غير المنفجرة، وأضاف أن النزوح لم يعد مقتصراً على الخرطوم، بل شمل النيل الأزرق وجنوب كردفان.
كشف دوغاريك أن قافلة إنسانية تابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) لا تزال متوقفة في مدينة الأبيض، رغم أنها محملة بإمدادات غذائية وصحية ومعدات لتنقية المياه، وذلك بسبب التدهور الأمني والعراقيل البيروقراطية.
تحذير من استهداف العمل الإنساني
بدوره، أدان وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، تزايد الهجمات على المطابخ المجتمعية والمساحات الآمنة التي يديرها المتطوعون، مطالباً بحمايتهم، وشدد دوغاريك على ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني الذي يضمن إيصال المساعدات بشكل محايد وسريع للمدنيين أينما وُجدوا.
دمار يفوق التصور
وفي السياق، رسم رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان، محمد رفعت، صورة مأساوية لما شاهده خلال زيارته الأخيرة للخرطوم، وقال للصحفيين في جنيف إنه لم ير في مسيرته، حتى في ليبيا واليمن، دماراً بهذا الحجم.
وأفاد رفعت أن البنية التحتية الأساسية في العاصمة، من كهرباء ومياه ومرافق عامة، تعرضت للتدمير الكامل أو النهب، ما يجعل الحياة اليومية شبه مستحيلة للسكان الذين ما زالوا باقين.
أزمة نزوح هي الأكبر في العالم
أكد رفعت أن السودان يشهد حالياً أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، مع أكثر من 11 مليون نازح، وسط تراجع التمويل الإنساني وإغلاق العديد من المنظمات لبرامجها أو تقليصها.
وأشار إلى أن خطة الاستجابة التي وضعتها المنظمة الدولية للهجرة تستهدف مساعدة 1.7 مليون شخص، لكنها لم تتلقَ سوى 9% من التمويل المطلوب حتى يناير 2025، أي ما يعادل أقل من 25 مليون دولار من أصل 250 مليوناً.
سارة وترتيل.. وجوه إنسانية وسط الركام
تحدّث رفعت عن سارة، المعلمة التي لم تغادر منزلها في بحري طول الحرب، إذ لم تكن تملك وسيلة للهروب ولا من يساعدها، حيث عاشت أياماً مرعبة، فقدت فيها أحبّاءها، وواجهت الخطر بمفردها، لكنها رغم ذلك تحلم بإعادة فتح المدارس وتدريس الأطفال مجاناً.
كما أشار إلى قصة ترتيل، الفتاة التي عبّرت عن رغبتها في العودة إلى التعليم والحصول على دعم نفسي، وهاتان القصتان تمثلان وجهاً من معاناة آلاف العائلات التي تعيش في قلب الأزمة.
ورغم هذه الصورة القاتمة، تحدث رفعت عن بصيص أمل بعودة 400 ألف نازح داخلي إلى ديارهم، لكنّه شدد على أن عودة السكان تتطلب توفير معلومات دقيقة حول الوضع، واستثمارات ضخمة لإعادة بناء الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والصحة والمياه.
الأزمة السودانية
ويشهد السودان منذ 15 أبريل 2023 معارك بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي".
وأدّى النزاع إلى مقتل وإصابة عشرات الآلاف، مع أن الرقم الحقيقي للقتلى قد لا يُعرف أبداً لعدم وجود إحصاءات رسمية موثقة.
وأدى الصراع كذلك إلى تدمير أجزاء كبيرة من العاصمة الخرطوم، وإلى زيادة حادة في أعمال العنف المدفوعة عرقياً، وإلى تشريد أكثر من 14 مليون سوداني لجأ من بينهم أكثر من مليون شخص إلى دول مجاورة، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، وخصوصاً إلى مصر شمالاً وتشاد غرباً.
وأبرم طرفا النزاع أكثر من هدنة، غالباً بوساطة الولايات المتحدة والسعودية، سرعان ما كان يتمّ خرقها.
كما يحاول كل من الاتحاد الإفريقي ومنظمة إيغاد للتنمية بشرق إفريقيا التوسط لحل الأزمة في السودان.
ولم يفِ طرفا القتال بتعهدات متكررة بوقف إطلاق نار يتيح للمدنيين الخروج من مناطق القتال أو توفير ممرات آمنة لإدخال مساعدات إغاثية.
وتكرر المنظمات الإنسانية التحذير من خطورة الوضع الإنساني في السودان الذي كان يعدّ من أكثر دول العالم فقراً حتى قبل اندلاع المعارك الأخيرة.