مشروع قانون جديد في إثيوبيا.. خطوة إلى الأمام أم انتكاسة للمجتمع المدني؟

مشروع قانون جديد في إثيوبيا.. خطوة إلى الأمام أم انتكاسة للمجتمع المدني؟
البرلمان الإثيوبي

تعيش إثيوبيا، اليوم، على وقع أزمة جديدة تهدد الفضاء المدني برمته، بعد طرح الحكومة مشروع تعديلات مثيرة للجدل على قانون المجتمع المدني، يُنتظر عرضها على البرلمان قريبًا، هذه التعديلات تمنح السلطات صلاحيات واسعة لتقييد نشاط منظمات المجتمع المدني، خاصة تلك العاملة في مجالات الحوكمة، مراقبة الانتخابات، وحقوق الإنسان، ما يثير مخاوف كبيرة من عودة البلاد إلى مربع التضييق والاستبداد الذي عاشته قبل سنوات.

وفقاً لتقرير نشرته "هيومن رايتس ووتش" مؤخرًا فإن هذه التعديلات تهدد بتقويض المكاسب التي تحققت منذ 2019، حين تم اعتماد قانون جديد لتنظيم عمل المجتمع المدني، بعد وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة، وكان القانون السابق لعام 2009 قد فرض قيودًا خانقة أدت إلى إغلاق عشرات المنظمات المستقلة وتقويض حرية التعبير.

تقويض الاستقلالية وتشديد الرقابة

أحد أخطر ما تضمنته التعديلات المقترَحة هو حظر التمويل الأجنبي للمنظمات الناشطة في مراقبة الانتخابات، تثقيف الناخبين أو أي نشاط يُصنَّف ضمن "المناصرة السياسية"، دون أن يعرّف مشروع القانون بوضوح معنى هذا المصطلح، ما يجعله عرضة لتفسيرات تعسفية من السلطات، كما يُلزم مشروع القانون المنظمات بالحصول على موافقة مُسبقة قبل تسلم أي ممتلكات، ويفرض عليها تجديد تراخيصها كل أربع سنوات تحت سلطة تقديرية شبه مطلقة للجهة المنظمة.

ورغم أن القانون الحالي يسمح بتعليق عمل المنظمات فقط بعد التحقيق في مخالفات جسيمة وبقرار قضائي يمكن استئنافه، فإن التعديلات تمنح الحكومة سلطة تعليق نشاط أي منظمة استنادًا إلى أسباب فضفاضة تتعلق بالأمن القومي، مع إمكانية تمديد التعليق وتجميد الأصول والحسابات البنكية، ومن دون الحق في الاستئناف أمام القضاء.

وخلال الأشهر الأخيرة، كثفت السلطات الإثيوبية استهدافها للمنظمات المستقلة حيث تم تعليق أنشطة خمس منظمات حقوقية بارزة منذ ديسمبر 2024، من بينها المجلس الإثيوبي لحقوق الإنسان، أقدم منظمة مستقلة في البلاد، كما تم إغلاق أكثر من 1500 منظمة بدعوى عدم تقديم تقاريرها السنوية.

وفي سياق متصل، اشتكت منظمات محلية ودولية من تعرض مدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء وصحفيين للمضايقات والاعتقالات التعسفية، ما اضطر العشرات منهم إلى مغادرة البلاد؛ إذ أفادت لجنة حماية الصحفيين بأن ما لا يقل عن 54 صحفيًا وعاملًا إعلاميًا فرّوا منذ 2020 بسبب الخوف على سلامتهم.

أخطار قبل الانتخابات المقبلة

تزداد المخاوف مع اقتراب موعد الانتخابات الوطنية المقررة في يونيو 2026، حيث يُخشى أن تؤدي التعديلات المقترَحة إلى إقصاء المجتمع المدني عن مراقبة الاستحقاق الانتخابي، ما يُضعف نزاهة العملية ويقلص من مصداقيتها.

بدورها، حذرت تقارير منظمة العفو الدولية من أن التضييق على الفضاء المدني سيزيد من أخطار وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان دون رقابة أو محاسبة، في وقت تشهد فيه البلاد أزمات عرقية ونزاعات في إقليمي أمهرة وأوروميا، وتوترًا متصاعدًا مع إريتريا، فضلًا عن أزمة اقتصادية متفاقمة.

ويذكّر كثير من الخبراء القانونيين والمدافعين عن حقوق الإنسان بأن مشروع التعديلات يُعيد إنتاج روح القانون القمعي لعام 2009، الذي كان قد حظر على المنظمات تلقي أكثر من 10% من تمويلها من مصادر أجنبية، وأدى عمليًا إلى إغلاق معظم منظمات حقوق الإنسان أو تحويلها إلى تقديم خدمات اجتماعية فقط بدلاً من القيام بأنشطة رقابية.

القانون الذي تم استبداله في 2019 أعاد الأمل بعودة المجتمع المدني فاعلاً حقيقيّاً في الحياة العامة، خاصة مع تخصيص سبعة مقاعد في مجلس إدارة الهيئة المنظمة للمجتمع المدني لمصلحة ممثلي المنظمات، بينها مقاعد مخصصة لحقوق المرأة وذوي الإعاقة. أما التعديلات الجديدة فتقلص هذه النسبة بشكل صارخ لمصلحة التعيين الحكومي المباشر، ما يقلل من استقلالية المجلس.

تضامن ودعوات دولية للضغط

دعت هيومن رايتس ووتش، إلى جانب منظمات دولية أخرى، شركاء إثيوبيا الدوليين إلى التحرك العاجل للضغط على الحكومة لسحب مشروع القانون، كما طالبت الآليات الخاصة للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والمقررين الخاصين للأمم المتحدة بتقييم التعديلات المقترَحة والتأكد من توافقها مع القانون الدولي لحقوق الإنسان.

يذكر أن قانون المجتمع المدني الإثيوبي الأول المقيّد في 2009 أدى لتقييد واسع للحريات المدنية.

في 2019، تم تبني قانون إصلاحي منح حرية أوسع للمجتمع المدني ضمن إصلاحات حكومة آبي أحمد.

منذ 2020، شهدت البلاد أزمات سياسية واقتصادية وأمنية، وسط اتهامات متزايدة للحكومة بالعودة لسياسات القمع.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية