على أمواج إسبانيا.. كيف يعرَّض المهاجرون للخطر على حدود الاتحاد الأوروبي؟

على أمواج إسبانيا.. كيف يعرَّض المهاجرون للخطر على حدود الاتحاد الأوروبي؟
مهاجر يصل إلى إسبانيا من المغرب سباحة

على الشريط الساحلي الضيق الذي يفصل المغرب عن الجيب الإسباني سبتة، تتكسر أمواج البحر المتوسط على صخور شاطئ تارخال وبنزو، حاملة معها ليس فقط رذاذ الملح، بل قصصًا من اليأس والأمل المجهض، إنها قصص لمئات المهاجرين، أغلبهم من الشباب والقاصرين، الذين يراهنون بحياتهم على رحلة سباحة خطرة، يقطعونها في ظلام الليل أو تحت ضباب الصباح، سعيًا وراء حلم الحياة في أوروبا.

هذه الأزمة الإنسانية المتجددة أمام السواحل الإسبانية ليست مجرد حدث عابر، بل هي انعكاس عميق لواقع معقد، يتشابك فيه الفقر، انعدام الفرص، سياسات الحدود، وتحديات إدارة الهجرة في القرن الحادي والعشرين.

وتحولت سبتة ومليلية، الجيبان الإسبانيان على الساحل الإفريقي، إلى نقطة ساخنة على خريطة الهجرة غير الشرعية، وهي الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع إفريقيا، ومع تزايد الضغوط الأمنية على طرق الهجرة البحرية التقليدية، أصبحت هذه الجيوب "بوابات" يرى فيها الشباب المهاجرون، وخصوصًا القاصرين منهم، فرصة للعبور، رغم المخاطر الجسيمة التي تحملها هذه الرحلة.

القدرة الاستيعابية تنهار

الواقع في سبتة أصبح أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، ففي الأيام الأخيرة، شهدت المدينة تدفقًا غير مسبوق للمهاجرين سباحةً من المغرب، في يوم واحد فقط، وصل حوالي ثمانين مهاجرًا، بينهم 50 قاصرًا غير مصحوبين بذويهم، وهذه الأعداد الكبيرة أدت إلى إرهاق البنية التحتية الهشة للمدينة. فقد وجهت حكومة سبتة نداءً عاجلاً إلى الحكومة المركزية في إسبانيا طالبة الدعم، معلنة أنها تواجه "لحظة حرجة" لا يمكن إدارتها محليًا.

وتتجلى الأزمة بشكل صارخ في مراكز الإيواء؛ نظام إيواء القاصرين، الذي تبلغ طاقته الاستيعابية القصوى 132 مكانًا، يستضيف اليوم أكثر من 460 شخصًا، أي ما يزيد على ثلاثة أضعاف طاقته، وهذا الاكتظاظ يثير مخاوف جدية بشأن الظروف المعيشية لهؤلاء المراهقين، الذين خاضوا رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر. 

وفي شهر أغسطس، الذي عادة ما يشهد ذروة في تدفق المهاجرين غير النظاميين، وصل نحو 300 مراهق وطفل إلى سبتة في عام 2024 وحده، وهو ما يُنذر بتفاقم الأزمة ما لم يتم اتخاذ إجراءات فعالة.

لكن الأرقام لا تروي القصة كاملة، فخلف كل رقم، هناك قصة إنسان، لقد أعلنت مصادر حكومية أن المهاجرين "خاطروا بحياتهم في البحر"، ويزيد من فداحة الموقف العثور على جثة شاب، لم تُحدد هويته بعد، في مياه سبتة، وهو ما يُعيد إلى الأذهان المآسي المتكررة التي تشهدها المنطقة، كل جثة تعثر عليها الأمواج هي شاهد على يأس عميق وظروف قاسية تدفع بالشباب إلى هذا الخيار الأخير.

دوافع الهجرة

لا يمكن فهم أزمة الهجرة في سبتة بمعزل عن سياقها التاريخي والاقتصادي، لطالما كانت الهجرة من شمال إفريقيا إلى أوروبا ظاهرة معقدة، مدفوعة بعوامل متعددة، تاريخيًا، كانت العلاقات الاستعمارية السابقة بين الدول الأوروبية ودول شمال إفريقيا، مثل إسبانيا والمغرب، قد خلقت روابط ثقافية واجتماعية، ولكنها أيضًا تركت إرثًا من التفاوت الاقتصادي.

وفي العقود الأخيرة، تفاقمت الضغوط الاقتصادية في العديد من دول المنطقة. البطالة، وخاصة بين الشباب، تُعدّ من أبرز الدوافع. كما أن الظروف السياسية غير المستقرة في بعض الدول الإفريقية، إلى جانب آثار التغير المناخي التي تضرب الزراعة وتزيد من حدة الجفاف، تدفع الملايين للبحث عن حياة أفضل في الخارج.

وتؤكد منظمة الهجرة الدولية (IOM) التابعة للأمم المتحدة، في تقاريرها أن الهجرة غير النظامية ليست دائمًا مجرد "هروب" من الفقر، بل هي أيضًا بحث عن فرص للتعليم، والتطور الشخصي، والكرامة الإنسانية، وهي كلها أمور يجدها الكثيرون غير متوفرة في أوطانهم.

تقارير المنظمات الحقوقية والأممية

تُثير أزمة سبتة قلق المنظمات الحقوقية والإنسانية على المستويين المحلي والدولي، فتقارير منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمات أخرى، لطالما شددت على ضرورة التعامل مع المهاجرين من منظور إنساني وحقوقي، وليس فقط كمسألة أمنية.

من أبرز النقاط التي تركز عليها هذه التقارير:

حماية القاصرين: تُعد حماية القاصرين غير المصحوبين بذويهم أولوية قصوى. تُلزم المواثيق الدولية، مثل اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، الدول بتوفير الرعاية والحماية لهم، بغض النظر عن وضعهم القانوني. إن الاكتظاظ في مراكز الإيواء في سبتة يُعدّ انتهاكًا لهذه الالتزامات.

انتهاكات الحدود: توثق العديد من المنظمات ممارسات عنيفة أحيانًا على الحدود، مثل عمليات الصد القسري أو العنف ضد المهاجرين.. تُطالب هذه المنظمات بضرورة احترام الإجراءات القانونية والإنسانية في التعامل مع المهاجرين، ومنحهم حق اللجوء أو الحماية عند الاقتضاء.

التعاون الدولي: تُشدد الأمم المتحدة على أن الحل يكمن في التعاون الدولي بين دول المنشأ والعبور والوجهة، وتُطالب المنظمة بمكافحة شبكات تهريب البشر، وفي الوقت نفسه، فتح قنوات هجرة شرعية وآمنة للحد من المخاطر التي يتعرض لها المهاجرون.

إعادة التوزيع

لا تقتصر تداعيات أزمة سبتة على إسبانيا وحدها، بل تمتد لتلقي بظلالها على الاتحاد الأوروبي بأكمله، تخشى السلطات المحلية في سبتة من أن خطة إعادة توزيع 4400 قاصر مهاجر من جزر الكناري والمدينتين المستقلتين إلى مناطق أخرى في إسبانيا، قد لا تكون كافية لتخفيف حالة الطوارئ، هذا التخوف يعكس تحديًا أكبر يواجهه الاتحاد الأوروبي: غياب سياسة هجرة موحدة وفعالة.

هناك انقسام واضح بين دول الاتحاد الأوروبي حول كيفية التعامل مع ملف المهاجرين، فبعض الدول ترفض استضافة المهاجرين، بينما تتحمل دول أخرى، مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان، العبء الأكبر، بحكم موقعها الجغرافي. هذا الانقسام يُعرقل أي جهود جماعية لإيجاد حلول مستدامة.

وتعد أزمة سبتة، وما تشهده من تدفق للمهاجرين، نتاج هذا الفراغ في السياسات. فبدلاً من معالجة أسباب الهجرة من جذورها، يركز الكثيرون على تشديد الرقابة على الحدود، ما يدفع بالمهاجرين إلى طرق أكثر خطورة ويائسة، مثل السباحة في المياه المضطربة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية