سلاح القمع الجديد.. هل تستخدم السلطة في كمبوديا الجنسية لإسكات المعارضة؟
سلاح القمع الجديد.. هل تستخدم السلطة في كمبوديا الجنسية لإسكات المعارضة؟
في خطوة أثارت قلقاً حقوقياً واسعاً، أقرّ البرلمان الكمبودي، أمس الاثنين، مشروع قانون يسمح للسلطات بسحب الجنسية من المواطنين بتهم فضفاضة مثل "التواطؤ مع دولة أجنبية"، ورغم أن الحكومة قدّمت النص كإجراء لحماية السيادة والأمن القومي، فإن منظمات حقوق الإنسان ترى فيه أداة خطيرة تُضاف إلى العديد من القوانين القمعية التي لطالما استخدمتها السلطة لإسكات المعارضين.
ذكرت "الغارديان" أن مشروع القانون الذي أُقرّ بالإجماع من قبل 120 نائباً، بينهم رئيس الوزراء هون مانيت، يتيح تجريد أي مواطن من جنسيته إذا ارتكب أفعالاً تُعتبر "تدميراً للسيادة أو السلامة الإقليمية أو الأمن القومي"، غير أن الصياغة المبهمة فتحت الباب واسعاً أمام إساءة الاستخدام، وفق ما حذّر ائتلاف يضم خمسين منظمة حقوقية، مؤكدا أن احتمالية استهداف الأشخاص على أساس عِرقهم أو آرائهم السياسية أو نشاطهم المدني كبيرة جداً إلى حد يصعب قبوله.
وأضافت هذه المنظمات، بحسب الغارديان، أن "الحق في الجنسية يجب أن يبقى ثابتاً وغير قابل للتلاعب السياسي، وإلا تحوّل إلى سلاح بيد السلطة التنفيذية".
إسكات للمعارضة
من جانبها، أوضحت "أسوشيتد برس" أن هذا القانون يأتي ضمن مسار طويل من القيود على الحريات في كمبوديا، حيث تواجه الحكومة انتقادات متكررة لاستخدامها قوانين مُقيّدة لقمع النقاش السياسي والمعارضة السلمية.
وذكّرت الوكالة بأن عشرات النشطاء يواجهون دعاوى قضائية أو يقبعون في السجون، فيما حُكم على زعيم المعارضة كيم سوخا عام 2023 بالسجن 27 عاماً بتهمة الخيانة، وهي تهمة نفاها مراراً.
وترى منظمات المجتمع المدني أن هذا القانون يُكمل دائرة القمع: فبعد محاصرة الفضاء الإعلامي والحقوقي، أصبح "التجريد التعسفي من الجنسية" تهديداً صريحاً بقطع آخر خيط يربط المواطن بدولته.
صلاحيات بلا ضمانات
وأبرزت رويترز أن القانون يمنح وزارة الداخلية صلاحية رفع توصية لإلغاء الجنسية، عبر لجنة مُشكلة بناءً على طلب الوزير سار سوخا، وهو ما يعني أن السلطة التنفيذية باتت تتحكم بشكل شبه كامل في هوية الأفراد القانونية، مع غياب أي ضمانات واضحة للحق في الطعن أو المراجعة القضائية المستقلة.
هذا التركيز المفرط للسلطات يتناقض مع المعايير الدولية، حيث يؤكد القانون الدولي لحقوق الإنسان أن أي سحب للجنسية يجب أن يكون محدداً بوضوح، غير تمييزي، وتحت رقابة قضائية صارمة.
من الدستور إلى "القانون العادي"
وبحسب الغارديان، كان الحق في الجنسية مكفولاً بشكل غير مشروط في دستور كمبوديا، لكن التعديل الدستوري الأخير ألغى هذه الحماية واستبدلها بعبارة فضفاضة تقول إن "الجنسية تُحدَّد بموجب القانون"، هذه النقلة تمثّل خطراً مضاعفاً، إذ أزالت الضمانة الدستورية العليا وتركت الحقوق الأساسية في يد المشرّع والتنفيذي.
جاء تمرير القانون في ظل توترات حدودية مع تايلاند أسفرت الشهر الماضي عن مقتل 43 شخصاً، ما منح الحكومة ذريعة إضافية لتسويقه كتشريع أمني، لكن أسوشيتد برس لفتت إلى أن خطة تقليص حقوق المواطنة سبقت هذه المواجهات العسكرية، ما يشير إلى أن الدوافع الحقيقية تتجاوز الضرورات الأمنية اللحظية نحو مشروع أوسع لتقييد الفضاء السياسي.
إدانة دولية متصاعدة
وصفت منظمة العفو الدولية التشريع، وفق ما نقلت الغارديان، بأنه "انتهاك شنيع للقانون الدولي"، مشيرة إلى أن السلطات الكمبودية فشلت تماماً في حماية استقلالية القضاء، ما يُحوّل القانون الجديد إلى أداة إضافية لممارسة الحكم الاستبدادي بلا رادع.
أما رويترز فقد ذكّرت بأن إلغاء الجنسية لأسباب تتعلق بالخيانة أو عدم الولاء يُمارس في 15 دولة أوروبية، لكنه غالباً ما يقتصر على المواطنين المُجنسين، وتخضع قراراته لضوابط صارمة، في المقابل، يفتح القانون الكمبودي الباب واسعاً لتجريد أي مواطن من جنسيته بلا استثناء، وهو ما يضاعف خطورة الإجراء.
خطر بلا حدود
"التجريد التعسفي من الجنسية"، وفق المعايير الأممية، هو أحد أخطر أشكال الانتهاكات لأنه يضع الفرد في مواجهة مباشرة مع خطر انعدام الجنسية، وفقدان الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية المرتبطة بالهوية القانونية، ما يجعل من القانون الجديد تهديداً شاملاً للحق في الانتماء والمواطنة، ووسيلة لمعاقبة الخصوم السياسيين عبر حرمانهم من أساس وجودهم القانوني.
ما بين غموض الصياغة، واتساع الصلاحيات التنفيذية، وغياب الضمانات القضائية، والسياق السياسي المُثقل بالقمع، يقف مشروع القانون الكمبودي كأحدث مثال على كيف يمكن للحكومات أن تُحوّل الجنسية من حق ثابت إلى أداة قمعية.
وفي الوقت الذي تبرر فيه السلطة النص باعتبارات "السيادة والأمن"، ترى المنظمات الحقوقية أن جوهر القضية يكمن في محاولة تأميم الولاء السياسي وتحويله إلى شرط للبقاء مواطناً.