من دمشق إلى قلب ألمانيا.. حكاية نزوح عائلة سورية تجسد مأساة اللاجئين
من دمشق إلى قلب ألمانيا.. حكاية نزوح عائلة سورية تجسد مأساة اللاجئين
لم يكن سومار كريكر شابًا عاديًا حين قرر أن يقود شقيقتيه الصغيرتين في رحلة محفوفة بالمخاطر نحو ألمانيا في صيف 2015، كان يعرف أن البحر ليس مجرد مياه، بل مقبرة جماعية مفتوحة، ومع ذلك، لم يتملك الخوف قلبه بقدر ما سيطرت عليه الرغبة العارمة في أن يمنح شقيقتيه مستقبلًا بعيدًا عن دوي القذائف في دمشق.
في شقته الصغيرة كان سومار -طالب الهندسة الذي رفض أن ينضم لجيش النظام السوري- يخطط لرحلة طويلة، محاولًا أن يزرع في تفاصيلها بعض الفرح والمغامرة كي يخفف من قسوتها.
وبحسب ما ذكرت صحيفة "الغارديان" البريطانية، اليوم الأحد، كان يؤمن أن الوصول إلى ألمانيا ليس مجرد احتمال، بل قدرٌ حتمي سيُكتب له ولشقيقاته.
أوروبا في اختبار إنساني
في تلك السنة، تدفق قرابة مليون طالب لجوء إلى أوروبا، ما جعل 2015 توصف بذروة أزمة الهجرة الحديثة، كانت لحظة فاصلة وضعت القيم الأوروبية على المحك، في مواجهة صور الأطفال الغرقى والحدود المزدحمة والمجتمعات المنقسمة، وفي مشهد لن يُنسى، أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أمام العالم "بإمكاننا فعل ذلك"، فاتحة حدود بلادها لعشرات الآلاف من الفارين من الحروب.
لم يكن الطريق سهلاً، فقبل شهور فقط من رحلة سومار، غرق أكثر من 800 مهاجر في حادث مأساوي قبالة سواحل صقلية حين انقلب قارب مكتظ بالمهاجرين في أبريل 2015. كان ذلك الحادث الأسوأ في تاريخ الهجرة الأوروبية الحديث، لكنه لم يكن الأخير.
لذلك لم يكن البحر خيارًا، بل لجأ سومار إلى "طريق البلقان"، الذي يبدأ بقارب مطاطي يعبر بحر إيجة نحو الجزر اليونانية، ثم يواصل عبر اليونان ومقدونيا وصربيا وكرواتيا وصولًا إلى قلب أوروبا، هي رحلة أطول، لكنها أقل فتكًا من مواجهة البحر المفتوح.
فسحة صغيرة للابتسام
في مدينة إسطنبول بتركيا، التقى سومار بشقيقتيه سلسبيل ذات الـ21 عامًا ولبنى البالغة 14 عامًا، بعد أن وصلتا من دمشق عبر رحلة جوية، كان القرار أن تعبرا البحر قبله.
ويقول سومار إن تلك اللحظة في أن يرسل شقيقتيه بمفردهما على زورق صغير، في حين أن صور الأطفال الغرقى لم تغادر ذهنه، كانت الأكثر قسوة في حياته، لكن الحظ كان إلى جانبهما، إذ كان البحر هادئًا، ووصلتا سالمتين إلى كاستيلوريزو، الجزيرة اليونانية الصغيرة التي غصّت باللاجئين إلى حد فاق عدد سكانها المحليين.
على الجزيرة، وسط مشاهد الفوضى والانتظار، وجد اللاجئون فسحة صغيرة للابتسام، حكى المصور الصحفي أليسيو مامو، الذي رافق سومار في جزء من رحلته، كيف لعب المهاجرون مباراة كرة قدم مرتجلة، فريق سوريا ضد بقية العالم، والقمصان استُبدلت بسترات النجاة البرتقالية.. لحظة عابرة لكنها جسّدت توق اللاجئين للحياة حتى وهم محاصرون بالمجهول.
عبور البلقان
من كاستيلوريزو انتقلوا بالعبارة إلى أثينا، ومنها انطلقوا برفقة آلاف المهاجرين نحو الحدود المقدونية، في تلك الفترة، كانت الحدود مفتوحة نسبيًا، بخلاف ما هي عليه اليوم، وعبروا إلى صربيا، حيث كان التوتر على أشده مع تدفق أكثر من 13 ألف مهاجر في أيام قليلة، ما أثار الذعر في الحكومات الأوروبية.
واجهوا تفتيشًا واحتجازًا مؤقتًا، وعاشوا في مخيمات مؤقتة أو في العراء، ينامون على الورق المقوى ويقطعون المسافات سيرًا على الأقدام إن لم يملكوا ثمن التذاكر، وفي سبتمبر، أغلقت كرواتيا معظم معابرها مع صربيا، وتبعتها سلوفينيا، لتبدأ أوروبا تدريجيًا في إحكام إغلاقها.
بعد أكثر من ستة أسابيع، وقطع ما يزيد على أربعة آلاف كيلومتر، وصل سومار وشقيقتاه أخيرًا إلى سالزبورغ في النمسا، ومنها إلى ألمانيا، وهناك، انتهت رحلة العذاب بعناق مؤثر جمعهم بشقيقهم مصعب، الذي كان قد سبقهم إلى أوروبا، كان المشهد تتويجًا لرحلة نزوح طويلة، وهروب من حرب لم تبقِ لهم سوى خيار الرحيل.
من الماضي إلى الحاضر
اليوم، بعد عقد من تلك الرحلة، يعيش سومار في مدينة بوخوم الألمانية، متزوجًا ويعمل مديرًا للمشاريع في إحدى شركات الصناعات الغذائية، ويقول بثقة: "وجدنا المساعدة والدعم هنا، ولم أشعر يومًا بالتمييز"، لكن قصته، رغم نهايتها السعيدة، تُلقي الضوء على واقع مغاير يواجه آلاف المهاجرين الذين ما زالوا عالقين أمام أبواب أوروبا المغلقة.
فما كان ممكنًا عام 2015 أصبح اليوم شبه مستحيل، أوروبا التي فتحت حدودها يومًا ما، باتت اليوم محصنة بالأسلاك الشائكة، مدججة بسياسات الطرد والمنع.
وأغلقت إيطاليا موانئها، فاليونان رحّلت آلاف المهاجرين سرًا، والمجر بنت سياجًا على حدودها، ومع كل ذلك، يستمر البحر الأبيض المتوسط في ابتلاع أرواح المهاجرين، أكثر من 32 ألف إنسان فقدوا حياتهم منذ 2014 وهم يحاولون العبور إلى الضفة الأخرى.
تناقضات مستمرة
المنظمات الإنسانية تحذر من كارثة متواصلة. تقول مونيكا ميناردي من "أطباء بلا حدود" إن أوروبا لم تعد تترك أمام المهاجرين أي خيار سوى المخاطرة بحياتهم، في حين يؤكد باحثون في "هيومن رايتس ووتش" أن السنوات التي تلت 2015 شهدت تراجعًا حادًا في القيم الإنسانية التي طالما ادعى الاتحاد الأوروبي التمسك بها.
تمر الذكرى العاشرة لرحلة سومار بينما تقف أوروبا على مفترق طرق جديد. صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة وتنامي مشاعر العداء للأجانب يطرح سؤالًا صعبًا.. هل ما زالت القارة العجوز قادرة على أن تقول "بإمكاننا فعل ذلك" كما فعلت ميركل قبل عشر سنوات؟
رحلة سومار كانت مثالًا حيًا على أن الأمل قد يولد من قلب الخوف، لكن حاضر أوروبا اليوم يوحي أن آلاف الحكايات المشابهة قد لا تجد النهاية نفسها.