"ريفييرا الشرق الأوسط".. كيف تتحول كارثة غزة الإنسانية إلى فرصة استثمارية أمريكية؟
"ريفييرا الشرق الأوسط".. كيف تتحول كارثة غزة الإنسانية إلى فرصة استثمارية أمريكية؟
في خضم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي خلّفت دمارًا غير مسبوق وكارثة إنسانية متفاقمة، تتكشف ملامح خطة أمريكية مقترحة لتحويل القطاع إلى "ريفييرا الشرق الأوسط"، هذه الخطة، التي كشفت عنها صحيفة "واشنطن بوست"، ليست مجرد رؤية مستقبلية لإعادة الإعمار، بل تتضمن بُعدًا إشكاليًا يتمثل في "التهجير الطوعي" لسكان القطاع مقابل تعويضات مالية، ما يثير مخاوف حقوقية وقانونية عميقة حول مصير أكثر من مليوني فلسطيني.
شهد قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق، إثر هجوم حركة حماس على المستوطنات الإسرائيلية المجاورة للقطاع، والذي أسفر عن مقتل نحو 1200 إسرائيلي واحتجاز نحو 250 رهينة.
جاء الرد الإسرائيلي عنيفًا وشاملًا، شمل قصفًا جويًا وبريًا وبحريًا مكثفًا، أدى إلى تدمير واسع النطاق للبنية التحتية والمنازل والمرافق الحيوية في القطاع.
وبحسب تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، أدت الحرب على قطاع غزة إلى استشهاد أكثر من 63 ألف فلسطيني، ونزوح ما يزيد عن 85% من سكان القطاع البالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة، ما فاقم من الأزمة الإنسانية التي كانت قائمة بالفعل بسبب الحصار المفروض على غزة منذ عام 2007.
هذا الواقع، الذي وصفه مراقبون دوليون بالكارثي، جعل من قطاع غزة بيئة مدمرة وغير صالحة للحياة، ووضع مستقبل السكان على المحك، ما فتح الباب أمام مقترحات ما بعد الحرب التي تراوح بين إعادة الإعمار والتهجير "الطوعي".
تهجير الفلسطينيين كأيديولوجيا
إن فكرة تهجير الفلسطينيين ليست وليدة اليوم، بل هي جزء من الأيديولوجيا الصهيونية التي تؤمن بأن أرض إسرائيل يجب أن تكون خالية من السكان غير اليهود، فمنذ عام 1948، تكررت محاولات طرد الفلسطينيين من أراضيهم، بدءًا من النكبة التي أدت إلى تهجير مئات الآلاف، وصولًا إلى مقترحات لاحقة خلال حرب 1967 وما بعدها، والخطة الأمريكية الحالية، وإن كانت تستخدم مصطلح "التهجير الطوعي"، فإنها تستند إلى نفس الفكرة التاريخية، حيث يتم تحويل الكارثة الإنسانية إلى فرصة لتصفية القضية الفلسطينية عبر إغراء السكان بالمال.
ويجعل الدمار الهائل الذي لحق بقطاع غزة، حيث دُمرت أكثر من 90% من المباني، أي حديث عن "عودة" السكان مستحيلًا في المدى المنظور، ما يضعهم في وضع لا يملكون فيه خيارًا آخر سوى القبول بما يُعرض عليهم من مغادرة.
تستند الخطة الأمريكية، التي يطلق عليها "صندوق إعادة بناء غزة والتسريع الاقتصادي والتحول" (GREAT Trust)، إلى فكرة إغراء الفلسطينيين بالمغادرة مقابل تعويضات مالية، تُقدم الخطة 5000 دولار لكل فرد يختار المغادرة "طوعيًا"، بالإضافة إلى دعم لتغطية الإيجار والطعام لمدة عام.
وفي المقابل، تُخطط الخطة لإقامة "ريفييرا الشرق الأوسط" على أنقاض القطاع، بما في ذلك منتجعات فاخرة، ومصانع للسيارات الكهربائية، ومدن ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي، المثير للجدل أن الخطة، التي طورتها مجموعة "بوسطن كونسلتينغ جروب"، تُقدر أن كل عملية مغادرة فردية ستوفر على الصندوق 23000 دولار مقارنة بتكاليف إيواء السكان في مناطق آمنة داخل القطاع، هذا يؤكد أن الخطة مصممة بشكل أساسي لتحفيز عملية "التهجير"، وليس لإعادة الإعمار الحقيقي الذي يتيح للسكان العودة.
القانون الدولي
ينص القانون الدولي بوضوح على أن التهجير القسري للسكان المدنيين جريمة حرب، وعلى الرغم من أن الخطة الأمريكية تستخدم مصطلح "التهجير الطوعي"، فإن السياق الذي تُعرض فيه هذه الخطة -وهو دمار شامل، وانعدام الأمن، وشح المساعدات الإنسانية- يجعل أي اختيار آخر غير المغادرة مستحيلًا، وهذا الوضع، المعروف في القانون الدولي بـ"الإكراه" أو "القسر"، يُسقط صفة "الطوعية" عن عملية التهجير. المنظمات الحقوقية، مثل منظمة العفو الدولية و"هيومن رايتس ووتش"، أدانت مرارًا وتكرارًا أي خطة تهدف إلى تهجير سكان غزة، مؤكدة أن حق العودة هو حق أساسي غير قابل للمساومة.
كما أن اتفاقية جنيف الرابعة، وهي حجر الزاوية في القانون الإنساني الدولي، تحظر تمامًا نقل السكان المدنيين بالقوة أو حتى إغراؤهم بالمغادرة من مناطقهم المحتلة، لذا، فإن أي خطوة نحو تنفيذ هذه الخطة ستُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، مهما كانت التبريرات الاقتصادية أو الإنسانية التي تُقدمها.
تأتي الخطة الأمريكية في الوقت الذي تتزايد فيه التحذيرات الدولية من الأزمة الإنسانية في غزة، فالمنظمات الأممية، وعلى رأسها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، والمنسق الأممي للشؤون الإنسانية، أكدت مرارًا أن أي حل لا يضمن عودة السكان إلى ديارهم هو حل مرفوض، كما أن الدول العربية، خاصة مصر والأردن، أعلنت رفضها القاطع لأي خطة لتهجير الفلسطينيين، خوفًا من تداعيات ذلك على أمنها القومي واستقرار المنطقة، وحتى إندونيسيا، التي ذكرت الخطة أنها قد تستقبل بضعة آلاف من الفلسطينيين، نفت وجود أي اتفاق رسمي بهذا الشأن، وهذا الرفض الدولي الواسع، يعكس إدراكًا عميقًا بأن هذه الخطة ليست سوى محاولة لشرعنة التهجير القسري، وتصفية القضية الفلسطينية خارج إطار الحل السياسي العادل.
كارثة إنسانية بمنظور اقتصادي
تُظهر الإحصاءات الحديثة حجم الكارثة الإنسانية في غزة، فبحسب التقارير، فإن أكثر من 63,000 فلسطيني استشهدوا، ونزح أكثر من 1.7 مليون شخص، أي ما يقرب من 85% من السكان، وتدمرت أو تضررت معظم المستشفيات والمرافق الحيوية، في ظل هذا الواقع، تبدو خطة "ريفييرا الشرق الأوسط" وكأنها استغلال للمأساة الإنسانية لتحقيق مكاسب اقتصادية، بدلاً من التركيز على تقديم المساعدات الإنسانية الفورية والعمل على إعادة إعمار حقيقية، تُقدم الخطة رؤية مستقبلية تعتمد على طرد السكان الأصليين من أراضيهم، ما يهدد بفتح باب من الصراعات الإقليمية التي قد لا تنتهي، وتداعيات هذه الخطة، في حال تنفيذها، ستكون مدمرة، ليس فقط على الشعب الفلسطيني، بل على الاستقرار الإقليمي والعلاقات الدولية.
وفي ظل غياب رؤية إسرائيلية واضحة لمستقبل قطاع غزة، وتعدد المقترحات الأمريكية والدولية، تظل فكرة الوصاية الأمريكية على القطاع، كما يُروج لها ترامب، محط تساؤل، على الرغم من أن بعض المخططين يقارنونها بالوصاية الأمريكية على اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فإن الظروف مختلفة تمامًا، ففي حالة غزة، الهدف هو تهجير السكان الأصليين، وليس إعادة إعمار وطنهم، في المقابل، هناك رؤى بديلة، مثل المقترح العربي الذي يدعو إلى تشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية وإعادة تأهيل السلطة الفلسطينية، إلا أنها تواجه رفضًا من إسرائيل والولايات المتحدة.